الحرية والقوة.. والعقل المحافظ

قامت المحكمة العليا الأميركية أخيراً، باستبعاد الجزء الرئيسي من قانون «العناية الصحية المتاحة»، حيث قضت بأن الشركات المملوكة ملكية خاصة ليست مجبرة على أن تقدم للعاملين فيها تغطية لموانع الحمل تتضارب مع المعتقدات الدينية لأصحاب الشركة.

وكان مُلاك شركة هوبي لوبي، وهم المدعون في هذه القضية، أحراراً على الدوام في الالتزام بمعتقداتهم الدينية، وقد منحت المحكمة الحرية الدينية لشركتهم أيضاً، وهي قفزة بالمنطق تعد عبثية تماماً، مثل إعطاء الشركات حرية الحديث، فالشركات ليست أناساً.

والمشكلة الأكثر عمقاً هي تغافل المحكمة عن الاختلال المتزايد في القوة الاقتصادية بين الشركات والناس الحقيقيين، فالمحكمة بإعطائها الحق للشركات في ألا تقدم للعاملين لديها خدمات منع الحمل، التي كان ينص عليها القانون، تتجاهل حقوق العاملين في تلقي هذه الخدمات.

والاختلال يبدو جليا في حكم المحكمة في قضية المواطنين المتحدين التي منحت الشركات حرية التعبير، وهو أمر يبدو في الواقع بالغ الغرابة، فحرية التعبير الخاصة بالشركات تتدنى بحرية التعبير الخاصة بالناس العاديين، الذين لا يمكنهم أن يغمروا قاعات الكونغرس بالمساهمات في الحملات الانتخابية.

والحرية هي القيمة التي يضعها المحافظون فوق كل القيم الأخرى، ومع ذلك فإن مثلهم الأعلى الخاص بالحرية، يتجاهل اختلال القوة المتزايدة في المجتمع الأميركي الذي يطيح بحريات معظم الناس. وهذا ليس بالأمر الجديد، ففي أوائل ثلاثينات القرن الماضي، أعلت المحكمة من شأن تشريع النهج الجديد الخاص بحرية التعاقد، أي حق الناس المفترض في إبرام أي عقود يريدونها.

ولكن العقد المحافظ لم يستوعب قط القوة الاقتصادية في فهمه للحريات، فالمحافظون لا يزالون يعلون من شأن المشروع الحر ويربطون السوق الحر بالحرية، وبالنسبة لهم فإن تدخلات الحكومة في السوق تهدد الحرية.

مع ذلك، فإن السوق ليس موجوداً في الطبيعة، ففي رحاب الطبيعة البقاء للأقوى، والسوق الحر هو نتاج قوانين وقواعد تنبع باستمرار من التشريعات، ومن الوزارات والمحاكم، والحكومة لا تتدخل في السوق الحر وإنما تحدده وتنظمه، وغالبا ما تعيد تنظيمه.

وهنا تجيء حقيقة القوة، فهي أمر مستقل إذا تم تشكيل هذه القوانين والقواعد بصورة ديمقراطية على نحو يعكس قيم معظم الناس وتفضيلاتهم، ولكن أي شخص لديه نصيب من الإدراك يمكنه أن يفهم أن التركيز المتزايد للدخل والثروة في أعلى السلم الأميركي، قد ركز السلطة السياسية هناك كذلك، وأوجد قوانين وقواعد تنير ساحة المنافسة بشكل متزايد، في اتجاه الشركات والأغنياء.

وقوانين مكافحة الاحتكار التي أدت لكبح جماح الاحتكارات على سبيل المثال، تم الحد من تأثيرها. وتختفي المنافسة بين مقدمي خدمات الإنترنت بسرعة بالغة، الأمر الذي يؤدي إلى أسعار تفوق نظيرتها في أي دولة غنية أخرى، والشركات يسمح لها بإطالة أمد علاماتها التجارية وبراءات اختراعاتها، الأمر الذي يبقي أسعار بعض الأدوية عند مستويات تفوق نظيرتها في كندا أو أوروبا.

والقوانين تحبذ رأس المال على حساب العمل، وهكذا فإن الأغنياء يحصلون على دخول أعلى من باقي شرائح المجتمع بصورة ملموسة، وتسمح قوانين إشهار الإفلاس للشركات بأن تعيد تنظيم نفسها بيسر، ولكن ذلك لا ينطبق على خريجي الجامعات الذين تثقلهم القروض الطلابية.

والحد الأدنى للأجور يفقد قيمته باطراد، بينما تحلق عاليا مدفوعات الرؤساء التنفيذيين للشركات. ووفقا للقانون الأميركي فإن حملة الأسهم لهم دور استشاري فحسب، في تحديد ما يحصل عليه الرؤساء التنفيذيون في الشركات التي يحملون أسهمها.

ويمكنني ان أستمر في ضرب الأمثلة طويلاً، ولكن القارئ يدرك ما أقصده على وجه التحديد، فما يسمى بالسوق الحر، لا يوسع نطاق الخيارات والفرص بالنسبة لمعظم الناس، وإنما يوسعها بالنسبة للقلة الذين هم من الثراء بحيث يمكنهم التأثير في الكيفية التي ينظم بها السوق.

ومعظمهم يظل حرا بالمعنى المقيد المتمثل في عدم إجباره على سبيل المثال، على شراء خدمات طبية أو خدمات إنترنت باهظة التكلفة على نحو غير ضروري.

ونحن بالمثل أحرار في ألا نكون مثقلين بمدفوعات الدين الطلابي لسنوات طويلة، فما من أحد يطلب منه أن يدرس في الجامعة، ونحن أحرار في ألا نستأجر بيتاً في حي فيه مدارس سيئة أو طرق غير معبدة جيدا، ولكن هذه رؤية للحرية معيبة للغاية.

إن المحافظين الذين يزعمون أنهم يقفون إلى جانب الحرية بينما يتجاهلون الاختلال المتزايد للقوى السياسية والاقتصادية في أميركا، ليسوا في حقيقة الأمر إلى جانب الحرية، وإنما هم يقفون إلى جانب من في يدهم القوة.

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات