الانعطاف الأميركي العظيم

 هل تتذكرون عندما كان دخل المدرس أو الخباز أو موظف المبيعات أو الميكانيكي، يكفي لشراء منزل وسيارتين، وللإنفاق على الأسرة؟ أتذكر أن والدي، الذي احتفل للتو بعيد ميلاده المئة، كان يحصل على ما يكفي، لنعيش جميعنا في بحبوحة. لم نكن أغنياء، ولكننا لم نشعر يوماً بأننا فقراء، وكان مستوى معيشتنا قد ارتفع باطراد، خلال خمسينيات وستينيات القرن العشرين.

وكانت تلك الحال هي القاعدة العامة السائدة. ولثلاثة قرون بعد الحرب العالمية الثانية، أوجدت أميركا أكبر طبقة اجتماعية متوسطة عرفها العالم، وخلال هذه السنوات تضاعف راتب العامل الأميركي بالتوازي مع تضاعف حجم الاقتصاد الأميركي. وعلى سبيل المفارقة، تضاعف حجم الاقتصاد خلال الـ30 عاماً الماضية مرة أخرى، ولكن رواتب الأميركيين لم ترتفع.

وفي تلك الفترة المبكرة، سجل أكثر من ثلث الأميركيين أسماءهم في النقابات العمالية، ما أتاح منح معظم العمال أدوات المساومة الضرورية، للحصول على حصة كبيرة، ومتنامية من كعكة الاقتصاد الكبيرة والمتعاظمة أيضاً، والآن أقل من 7% من عمال القطاع الخاص منتمون إلى النقابات.

وكان راتب المدير العام يعادل ما معدله 20 ضعف راتب الموظف العادي، أما اليوم فيعادل راتب المدير 200 ضعف راتب الموظف العادي. وفي تلك السنوات، كانت أغنى طبقة في المجتمع، التي شكلت 1% من نسبته، تستفيد من نحو 9% أو 10% من دخلها، أما اليوم فهؤلاء يحصلون على صافي 20% من مجمل رواتبهم. وفي الفترة ذاتها، فإن معدل الضرائب على رواتب أعلى الأميركيين دخولاً، لم يقل عن معدل 70%. وفي عهد الجمهوري دوايت أيزنهاور كان معدل الضرائب 91%، أما اليوم فأعلى معدل ضرائب هو 39.6%.

وفي تلك العقود، كانت الإيرادات الضريبية المجنية من الطبقة الوسطى الغنية والمتنامية، تُستخدم لبناء أكبر مشروع بنية تحتية في التاريخ، وهو نظام الطرق السريعة في الولايات المتحدة، ولبناء أكبر وأفضل نظام تعليم مجاني، ولتوسيع التعليم العالي العام، ومنذ ذلك الحين والبنية التحتية في انهيار، وكذلك المدارس الحكومية والتعليم العالي.

لم نتوقف عند ذلك، لقد وضعنا قانون الحقوق المدنية وقانون التصويت، لتوسيع الرفاهية حتى تشمل الأميركيين من أصل أفريقي، وقدمنا الرعاية الصحية والمساعدة الطبية للفقراء، وعملنا على تقليل الفقر بين المسنين من الأميركيين، وكذلك وضعنا قانوناً للمحافظة على كوكبنا، وعملنا على ضمان إقراض البنوك لعملائها.

وكانت تلك دورة اقتصادية إيجابية، وكلما نما الاقتصاد نجحنا سوياً. وذلك الانتعاش مكننا من الاستثمار في مستقبلنا، وإيجاد وظائف أفضل وأكثر ومستوى أعلى للمعيشة، ومن ثم أتى التراجع الاقتصادي الكبير..

وعلى مدى السنوات الثلاثين الأخيرة أصبحنا نسير في الاتجاه المعاكس لماذا؟ بعض المراقبين يوجهون اللوم على ذلك للعولمة ولخسارة أميركا لأهداف التصنيع الأساسية، ويشير آخرون إلى التقنيات الجديدة ،التي حلت محل الوظائف التقليدية، كالمكائن الأوتوماتيكية، وبرمجيات الحاسوب، والروبوتات الآلية.

ولكن إذا كانت هذه هي الأسباب حقاً، فذلك يدفع نحو تساؤل أعمق: لماذا لم نتقاسم مكاسب العولمة والخبرات التقنية بشكل أوسع؟ لماذا لم نستثمرها في بناء مدارس أفضل وتطوير المهارات أو في إيجاد بنية تحتية عالمية المستوى؟

ويلقي آخرون باللوم على رونالد ريغان، لدعمه لما يعرف بـ«السوق الحرة» واقتصادات العرض والطلب الحرة، ولكن إذا كانت هذه الأمور هي المسؤولة عن التقهقر الاقتصادي، فلماذا تشبثنا بهذه الأفكار كل هذه المدة الزمنية؟ ولماذا يتشبث بها كل هؤلاء الناس؟

ويعتقد البعض أن الأميركيين أصبحوا أكثر جشعاً وطمعاً، ولكن إذا كان هذا هو التفسير الصحيح، فلماذا إذاً تغيرت شخصياتنا بهذه الطريقة الدراماتيكية؟ ربما تكمن المشكلة الأساسية في أننا نسينا ماذا حققناه سوياً من منجزات يوما ما، فالمحو الجماعي لعصور الازدهار من ذاكراتنا، يُعزى جزئياً إلى فشل أبناء جيلنا في الاحتفاظ بقيمنا التي سادت عصر الازدهار ذاك، وتمريرها للأجيال اللاحقة.

علينا أن نستعيد ذاكرتنا لتصليح ما أُفسدناه عبر الزمن، ويجب علينا عدم محاكاة دولة أخرى، بل محاكاة ما كنا نملكهُ يوماً، وبما أننا ملكنا ذات مرة ذلك الرخاء الواسع، فباستطاعتنا الحصول عليه مرة أخرى، ولن يتم ذلك بالطريقة ذاتها بالطبع، وإنما بطريقة جديدة تلائم القرن الحادي والعشرين، ومستقبل الأجيال الأميركية.

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات