روسيا والناتو.. دولة تواجه حلفاً

تقع أوكرانيا على خطوط التماس، بالمعنيين القومي والجيوستراتيجي، بين اتحادين؛ الروسي شرقاً، والأوروبي غرباً.. وما يجري فيها وحولها راهناً، على خلفية التحولات الداخلية الفارقة في مسار العملية السياسية، يعرض نموذجاً طازجاً وخارقاً للعين، على التشابك العضوي بين التفاعلات الداخلية في بعض الدول والمناطق، وبين دائرة أوسع في السياقين الإقليمي والدولي.

فبمجرد أن استشعرت موسكو القلق من ميل موازين القوى السياسية في كييف لصالح فريق "المتأوربين"، أبرزت غضبها وبلغ بها الانفعال حد التكشير عن الأنياب العسكرية. عندئذ، لم تتأخر ردود الأفعال الأوروبية في الجوار اللصيق والمحادد، والأميركية على الشاطئ الغربي من الأطلسي.

وفي غمرة التلاسن الحاد والخطابات المحمومة بين موسكو والعواصم الغربية، أطلت ظواهر طال الظن بأفولها عن ساحة المنافسات الدولية، منذ انهيار الاتحاد السوفيتي وتفكك معسكره الاشتراكي، حتى حسب البعض أن العالم يقف على مشارف دورة جديدة من الحرب الباردة، بل وثمة من تساورهم الهواجس بأن عالمنا بصدد أزمة قد تنحدر به إلى درك صراع مسلح، تنطلق صافرة بدايته من شبه جزيرة القرم.

والحق أن خطاب الأزمة في موسكو، الذي بادر بربط المستجدات السياسية في أوكرانيا بالخطوط الحمراء للأمن القومي الروسي، واقتران هذا التصور بالتصعيد الدبلوماسي والإعلامي ومناورة تحريك الآلة العسكرية، هو الذي أدى إلى غلو التوقعات في اتجاه استذكار مشاهد الحروب العالمية الباردة والساخنة. كيف لا، وقد كان الانشداد إلى التعبيرات القومية الشوفينية، وانتشار منظورات ما يسمى بمناطق النفوذ والمجالات الحيوية، من أهم أسباب اندلاع مثل هذه الحروب، في الرحاب الأوروبية خاصة ثم عولمتها بشكل أو آخر، خلال القرن الماضي!

هناك معطيات كثيرة في الأزمة الأوكرانية وتوابعها، تبرر استدعاء هذه الذكريات إلى أجندة العلاقات الدولية الراهنة. لكن الملاحظ أن نمط التحالفات والاصطفافات المصاحب لهذه الأزمة، يخالف الأنماط التي تبلورت في مضمار أزمنة الحروب الباردة والساخنة السابقة، إذ لسنا اليوم أمام معسكر ضد معسكر بالمفهوم التقليدي، وإنما نحن أقرب إلى مشهد تقف فيه دولة كبرى، روسيا، مقابل حلف الناتو بكامل قوامه.لقد ثبت أن التحالف الغربي، بزعامة الولايات المتحدة، ما زال متماسكاً وقادراً على التنسيق متعدد الأبعاد والتعامل بلغة توافقية تعاونية. هذا في حين تكاد موسكو تفتقر للحلفاء العتيدين، المظهرين عياناً للجهوزية في مؤازرتها.. وذلك باستثناء القوى التابعة والمتدثرة بالعباءة الروسية في الداخل الأوكراني ذاته، وهؤلاء هم في التحليل الأخير من ذوي الأرومة الروسية القومية.

مع إطلال الأزمة، وفور موافقة المجلس الفيدرالي الروسي على استخدام القوة في القرم، وجدنا مواقف وردوداً أميركية وأوروبية بالغة الانسجام؛ أقرب إلى روح حلف الناتو ولغته وتوجهاته، منها إلى السياسات القومية المنفردة. فقد عجلت واشنطن باستنكار السياسة الروسية المتحفزة، وابداء الاستياء من تلويح موسكو بالخيار العسكري، وذلك مع "الاعتراف بالمصالح الروسية التاريخية والثقافية والاقتصادية في أوكرانيا والقرم، ولكن ذلك لا يبرر انتهاك سيادة أوكرانيا وسلامة أراضيها".

اللافت بالخصوص، أن بقية الحلفاء الأطلسيين راحوا يعزفون هذا اللحن، بل إن منهم من استخدم التعبيرات التحذيرية الأميركية ذاتها، كالقول مثلا إن "السياسة الروسية لن تمر بلا ثمن"، وأن "مضي روسيا في تحدي القانون الدولي سيقودها إلى عزلة سياسية واقتصادية".

وبين يدي هذا التناغم، لا تخفى دلالة اجماع الأعضاء الأطلسيين في مجموعة الثمانية على اتخاذ موقف سلبي، راح يرقى إلى التهديد بالمقاطعة الكاملة لقمة المجموعة، المزمع أن تستضيفها روسيا في يونيو المقبل. على كل حال، لنا أن نعتبر أزمة أوكرانيا واحدة من أبرز الأزمات الكاشفة لقوة الناتو. ومن غير المستبعد أن تعلو في ضوئها وتتعزز رؤية الداعين في عالم الغرب إلى استمرارية هذا الحلف، وأن تذوى أصوات معارضيهم، الذين استغلوا نهاية المعسكر الاشتراكي للدعوة إلى مزيد من الاستقلالية الأوروبية عن سطوة "المعلم" الأميركي ومظلته العسكرية في القارة العجوز.

وعطفاً على وقائع هذه الأزمة وانعكاساتها، يثار السؤال عن الخطوة الروسية التالية، وما إذا كانت موسكو ستعمل على إعادة النظر ملياً في وضعها الاستراتيجي، لا سيما لجهة البحث عن حلفاء حقيقيين، لا يكتفون بإلقاء المواعظ وتطييب الخواطر عن بعد، عبر خطاب متردد أو متلعثم.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات