أنسي الحاج.. الأقل تناقضاً والأكثر ليبرالية

غياب الشاعر والكاتب أنسي الحاج شكّل حدثاً ثقافياً يستحق أن نتوقف عنده. ولتكن هذه كلمتي في المناسبة، تحية للراحل الكبير.

عندما التقيت بأنسي أول مرة فوجئت به، إذ وجدته متواضعاً، رقيقاً، منصتاً، على غير عادة المشاهير من الكتّاب والأدباء والمفكرين الذين نراهم دوماً مستنفرين، متأهبين للمبارزة وكسب المعركة. هكذا وجدته على عكس كتاباته البركانية التي أحدثت انفجاراتها في بنية الثقافة الراكدة مبنى ومعنى، شكلاً ومضموناً.

قد لا يتسع المقام للكلام على أنسي الحاج بوصفه واحداً من الشعراء الذين وقفوا وراء الموجة الحداثية الجديدة، أو كاتباً لم ينفك عن ممارسة حضوره القوي في المشهد الثقافي في لبنان والعالم العربي، لكي يفتح آفاقاً، ويشق دروباً أسهمت في تحرير اللغة والمخيلة والفكر، من بعض القيود العائقة، والمحرمات المعطلة للطاقة الحية.

ما كتبه أنسي، سواء أكان شعراً أم نثراً، أُدرجه تحت خانة «الكتابات الذوقية» التي تؤلف على نحو مبتكر وغير مسبوق بين مجازات الشعر وشطحات الخيال من جهة، وبين تأملات الفيلسوف الذي يوقظ الغافل من سباته، بقدر ما يحض القاصر على إعادة التفكير في بداهاته الخادعة وثوابته المتحجرة.

وهكذا لم يكتب أنسي كتابات نظرية جافة أو خشبية، وحتى عندما كان يحاول التنظير لمسألة أو الدفاع عن قضية، كان يكتب بنبضه وعصبه، بعشقه وجنونه.

من هنا أجد أن ما كتبه هو الأجمل، حول عالم المرأة بغوايته وألغازه، أو عن الحب بفردوسه وجحيمه، بقوته وهشاشته. ولا عجب، فالأجمل والأمتع في ما يكتب، هو كتابة العاشق عن عشقه بعشق، إذ بذلك تتضاعف متعة الحس بلذة النص.

من الشائع لدى النقاد أن أنسي الحاج من الذين أسهموا في الثورة على اللغة و«كسر جدارها»، كما كان شعار مجلة «شعر» بمؤسسيها وأركانها (يوسف الخال، أدونيس، شوقي أبي شقرا...)، وكما تجلى ذلك في ديوانه الأول «لن» الذي يُقرأ من عنوانه كنص يعلن الثورة والتمرد، ولكني لست من هذا الرأي.

ربما يكون شوقي أبي شقرا هو الذي اضطلع بهذه المهمة التي لا نجد لها مثالات سابقة، فلغة أبي شقرا، بمفرداتها وتراكيبها وأسلوبها، هي التي تستحق أن توصف بأنها كسرت الجدار وحطمت القيود، أو خرقت الأصول.

أما كتابات أنسي الحاج، كما تتجلى في «خواتمه»، فهي مثال للعربية ببيانها ونصاعتها ووضوحها. صحيح أنه لا يكتب بلغة الشدياق أو العلايلي، ولكنه يكتب بلغة حاول تصفيتها من الزوائد والنوافل أو الشوائب، ولكنها عربية آسرة، من حيث قوتها الفائقة على التعبير.

إنها لغة لا تتنكّر للأصل، وإنما تعمل عليه تحويلاً وتدويراً أو تحسيناً وتحديثاً، لكي تزيده غنى وقوة وجمالاً. بالطبع هو يكتب بلغة تحمل ختم صاحبها، أعني كونها لا تقلد أو تنسخ، وتلك هي فرادتها ومعجزتها.

أين تكمن إذاً ثورة أنسي الحاج؟ إنها فكرية بالدرجة الأولى، كما نجد في مقالته «يسوع المسيح احضر حالاً»، ولذا فهي ثورة على نظام المعرفة وسلم القيم، أو على قوالب الإدراك وشبكات الفهم.

فأنسي هو هنا متمرد وثائر بقدر ما هو زنديق ومشكك، وهو شيطاني بقدر ما هو مشاغب عقلاني، وهو صوفي بقدر ما يشعر بمأساوية الحياة ومآزق المصائر.. وهو بالتأكيد نيتشوي، بقدر ما هو كاتب يهوى نشر الفضائح التي يتستر عليها حراس القيم وشرطة العقائد. بهذا كان أنسي يكسر أنظمة المعنى، لا جدار اللغة، لأن المعنى يؤسَّس دوماً على اللامعنى، بقدر ما يحجب معناه.

لعلنا نخسر مع رحيل أنسي الحاج مثقفاً لامعاً، يستعصي على القولبة والتصنيف تحت خانة تيار أو مذهب أو حزب، وهذه ميزة تحسب له، وسط هذا التمترس والتخندق، من جانب المثقفين، بين المعسكرات والأنظمة، والشاهد هو نقده أنظمة الطغيان وهي في ذروة جبروتها.

وهكذا لم يكن أنسي مناضلاً أو ناشطاً، لم يكن يركن إلى دعوة أو يتعلق بعقيدة أو يُخدع بسلطة، وإنما كان يتعامل مع الأنظمة والسياسات تعامل المتسائل المشكك أو الناقد المحلل، ممارساً حريته في النقد وحقه في الاختلاف.

بهذا المعنى ربما كان أنسي هو الأكثر ليبرالية بيننا، إذ لم يكن يأسره اسم أو أصل أو مذهب. حتى الإنسان لم يكن يثق به كل الثقة، وهو يرى فضائحه ومساوئه أو كوارثه. فكان بذلك على عكس أقرانه من المثقفين وأصحاب مشروعات التحرير والتغيير التي آلت إلى ما نحصده من الهمجية والتوحش.

بعد غياب أنسي، بجسده، تبقى أعماله ونصوصه التي هي كسائر روائع الأدب والفكر، ليست أحادية المعنى والدلالة أو الوجهة، فلا تستنفد حقيقتها أو تستقصى معانيها، ولذا لا يمكن حصرها أو ضبطها في اتجاه محدد أو قراءة واحدة أو تأويل نهائي.

إنها عالم فكري دلالي متراكب الطبقات، متعدد الأبعاد، مختلف السياقات، بقدر ما هي كون من الإشارات والعلامات، أو نسيج من المجازات والاستعارات.

باختصار، نحن إزاء نصوص تشكّل فضاء للتأويل، بقدر ما هي فيض المعنى عند من يحسن قراءتها والتعامل معها. وما في وسع قراء أنسي أن يفعلوه هو أن يقرأ الواحد في أعماله ما لم يُقرأ من قبل، أو ما لم يقرأه سواه.

وتلك هي ميزة القراءة المنتجة والفعالة التي تحيي النص وتجدد المعرفة به، بقدر ما تجدد المعرفة عامة، وذلك هو شأن النص الخارق، إنما يختلف عن نفسه باختلاف الكلام عليه.

لا أريد المغالاة في الكلام على أنسي الحاج، بأن أسبغ عليه كل الأسماء الحسنى والصفات المثلى، فهو لم يكن كذلك، ولم يدّع ذلك أصلاً، بل كان يعيش حياته بتوتراتها وتحولاتها، بالتباساتها ومفارقاتها، بنجاحاتها وإخفاقاتها

. فالأولى أن نتعامل مع أنسي الحاج بوصفه صاحب تجربة فذة. ولا تجربة تكتمل ما دام يستحيل القبض على الحقيقة، ولا مشروع ينجز بصورة نهائية وكما يريد له صاحبه، ما دامت سوية المرء تصنعها فجوة الوجود، كما تتجسد في تناهي الإنسان وحدود العقل والتباس المفهوم، وتعدد المعنى واشتباه الرواية، وتناقض الخطاب وهشاشة الذات.

من هنا كان أنسي فريسة الحيرة والقلق، لا يركن إلى يقين، ولا يدعي احتكار حقيقة، أو تجسيد قضية، بل يتردد بين المتناقضات، ما جعله الأقل تناقضاً والأقل فضائحية، بالنسبة إلى ملّاك الحقيقة من المثقفين والدعاة.

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات