مانديلا وسخافة التهافت الصهيوني

من أجل تبرير غياب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو، على رأس وفد إسرائيلي رفيع المستوى، عن مراسم عزاء وتشييع الزعيم نيلسون مانديلا، تعللت تل أبيب بارتفاع نفقات السفر إلى جنوب إفريقيا. كانت هذه الذريعة من السخافة والتهافت والتعجل، بحيث لم يلحظ أصحابها أن بعضاً من قادة أفقر دول العالم، لم يتخلفوا عن الالتحاق بركب المشاركة في مناسبة خطفت الأنظار والقلوب والمشاعر في جهات الدنيا الأربع.

الحقيقة أن رجال الحكم والسياسة في جنوب إفريقيا، من زملاء الراحل العظيم وحوارييه وتلاميذه، هم على الأرجح الذين رفضوا استقبال جوقة النفاق الإسرائيلية.

الحزن واللوعة على الفقيد، لم يحولا دون الانتباه إلى أنه لا يليق بجلادي كيان يتنفس العنصرية والتمييز؛ حراس آخر عملية استعمارية بغيضة على ظهر الأرض، أن يقفوا عند رأس مانديلا، عميد رموز مكافحة الاستعمار والعنصرية والتمييز ورافعي لواءات الحرية والمساواة والتسامح والسلام في عالمنا الحديث والمعاصر، ليلقوا بكل تبجح ووقاحة نظرة وداع على جثمانه المسجى.

كانت إسرائيل، الفكرة والدولة، قرين السوء العضوي التاريخي وأحد الحلفاء الاستراتيجيين لنظام الاستيطان والفصل العنصري، الذي طارده مانديلا ورفاق دربه عشرات السنين. وحين ظفر هؤلاء بالحرية والمساواة، اقشعرت أبدان القادة الصهاينة الإسرائيليين وبلغت قلوبهم الحناجر، حذر أن يستلهم الفلسطينيون نموذج نضال الأفارقة، وأن يتمثل المجتمع الدولي بالضغوط التي ساهمت في تفكيك النظام العنصري في جنوب إفريقيا فيطبقها على إسرائيل.

ومع ذلك، فإن الجلد الصهيوني من السماكة والسماجة، بحيث راح نتانياهو ورئيس دولته شيمون بيريز ينعيان مانديلا عن بعد، واصفينه بالقدوة والزعامة الأخلاقية والمحارب من أجل الحرية ورفض العنف، وبأنه "عمل على رأب الصدع داخل المجتمع الجنوب إفريقي، ونجح في منع تفجر الكراهية على خلفية عرقية، وكان مقاتلاً في سبيل حقوق الإنسان؛ متحمساً للديمقراطية..".

في اللحظة ذاتها، التي كان رأسا النظام الإسرائيلي يلوكان فيها هذه العبارات ونحوها، شهدت إسرائيل تفاعل واقعتين معاكستين على طول الخط للقيم والمثل التي كافح لها مانديلا وعليها مات.

الواقعة الأولى، تتعلق بتوابع ما يسمى بمخطط برافر، وموجزه قانون أقره الكنيست الإسرائيلي بالقراءة الأولى، لتهجير عشرات الآلاف من بدو النقب؛ أجمعت كافة المؤسسات الحقوقية الدولية على كونه قانوناً عنصرياً بامتياز.

والمدهش أن سفير جنوب إفريقيا السابق في تل أبيب إسماعيل كوفاديا، كان بدوره قد وصف تعامل إسرائيل مع البدو الفلسطينيين بأنه تفرقة عنصرية بلا مراء، وقال عند انتهاء مهمته الدبلوماسية إنه واجه هذه التفرقة في بلاده، ولا يمكنه الموافقة على إعادة إنتاجها في إسرائيل.

أما الواقعة الثانية، فهي رفض مؤسسة نجمة داوود الحمراء، الموازية جدلاً لمنظمتي الصليب الأحمر والهلال الأحمر، الدم الذي تبرعت به النائبة الإسرائيلية بنيتا تامانوشاتا، وهي يهودية من أصل إثيوبي.

وفي حمأة غضبها باحت النائبة، المتهمة ضمناً بعدم صلاحية دمها للإبحار في عروق يهودية أكثر قداسة من عروقها، بسر أخفته طويلاً.. هو أنها الآن في الثانية والثلاثين من عمرها، وهي تعلم منذ كانت في السادسة عشرة، أن السلطات الصحية الإسرائيلية تتخلص من الدم الذي يتبرع به يهود إثيوبيا ولا تستخدمه.

لقد تصورت هذه المسكينة خطأ، أن مرور السنين وكثرة الاحتجاج على إجراءات التمييز ضد أبناء أرومتها الإثيوبية، فضلاً عن يهوديتها وسمو مكانتها إلى مرتبة العضو البرلماني، سوف تشفع لها وتفتح أمامها أبواب المساواة في الدولة.

تكمن عبرة هاتين الواقعتين في أنهما تعلنان عن السلوك الصهيوني العنصري الفج، ضد شريحتين تحملان الجنسية الإسرائيلية.. إحداهما تنتمى للمجتمع العربي الفلسطيني الأصيل، والأخرى من جماعات المهاجرين اليهود الذين استجلبوا من مواطنهم الأم. والمعنى، أن نخب الحكم والسياسة في إسرائيل تعتنق ثقافة تمييزية قوية المفعول؛ عابرة للمحتوى القانوني للجنسية.. فليس كل الإسرائيليين سواء، حتى وإن كانوا يهوداً.

عندما نستحضر هذه المعطيات ونطل عليها داخل المكون الإسرائيلي ذاته، ناهيك عن الممارسات والشواهد العنصرية ضد الفلسطينيين تحت الاحتلال الصهيوني الإسرائيلي المديد، نتساءل عما يدعو نتانياهو وبيريز وبطانتيهما للتمسح بمانديلا حياً وميتاً؟ أين هم من فكر هذا الرجل وسيرته وتراثه؟

يقول بيريز في نعيه مانديلا: "لقد فقد العالم زعيماً غيّر مسار التاريخ، ونحن في حداد سوية مع جميع دول العالم ومواطني جنوب إفريقيا، الذين فقدوا زعيماً عظيماً منح الإيحاء لشعبه والعالم كله..". كان غير بيريز أولى بهذا النواح واستشعار الوحشة، فهو وليس غيره، من دشن المشروع النووي الإسرائيلي في نهاية خمسينات القرن الماضي، ثم شجع نظام الفصل العنصري على تأسيس مشروع مماثل في جنوب إفريقيا، قبل أن يصفيه مانديلا ضمن تصفيته لهذا النظام وإرثه القميء.

والحق أن مانديلا منح الإيحاء لشعبه وللعالم كله بالفعل، باستثناء إسرائيل.. ولو أن بيريز ودولته ونظامه اقتدوا بالقيم التي بثها هذا الرجل الملهم، لكانوا أراحوا خلقاً كثيراً في فلسطين ومحيطيها الإقليمي والدولي، وربما استراحوا هم أنفسهم أيضاً.

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات