غيوم كيري غير الممطرة

الشتاء للفقير.. برد، للمهاجر غربة.. وللذي ينتظر مطر السلام في المنطقة، خيبة. هذا شتاء جاف، فكل المطر لا يروي عطش العودة لوطن احتل أو تمزق أو تفرق أهلوه في المنافي أو.. في السجون والمعتقلات. تباً لأوطان أصبحت منافي، بسبب "ثورة" أو بسبب ثروة.

في الأجواء رائحة طبخة على نار هادئة، وقودها عظام قتلى من كل الجنسيات التي آخرها "عربية": سورية، عراقية، مصرية، تونسية، ليبية، يمنية، إلى آخر كل ما هو عربي بالجنسية أو بالفطرة. الطباخ هذه المرة اسمه "كيري"، ليس الجبنة طبعاً، ولو أنه مثلها لكان أطيب، وما في القدر إلا حصى! تماماً كما كان أسلافه في الخارجية الأميركية، أو الوكلاء لإسرائيل باسم وسطاء، وما كانوا يوماً وسطاء، منذ ما بعد أوسلو وواي ريفر و"طابا 1" و"طابا 2" و"كامب ديفيد 2".

كيري يحمل هذه المرة صفقة ما يشبه حلاً للقضية الفلسطينية، بدعوى الحرص على مصلحة الفلسطينيين، مقابل الصفقة التي عقدتها الإدارة الأميركية مع إيران، أي أن يبيع الفلسطينيين أوهام سلام، مقابل بيع العرب فعلياً لإيران، إذ إن السياسة تقتضي أن تضحي بحلفائك حسب ما تهب ريح مصالحك. فلا صداقات دائمة في السياسة، بل مصالح دائمة.. وهذا ما حاول العرب تعلمه، لكنهم رسبوا في كل الاختبارات منذ أن كانت الأرض تقف على القرنين الأميركي والسوفييتي.

حتى تجربة عبد الناصر في إدارة الظهر لأميركا والغرب، كانت فاشلة بدليل هزيمة 1967. أما التجارب الأخرى بالتوجه إلى موسكو وعقد صفقات عسكرية واقتصادية هزيلة، فقد كانت "فشة خلق"، حين نغضب من صفعة أميركية أو من تجاهل أوروبي لعلاقاتنا القديمة معها وقربها الجغرافي منا.

إن ما يسوّقه كيري في جولاته المكوكية بين واشنطن وتل أبيب ورام الله وعواصم معنية أخرى، لا يعدو كونه محاولة لإرضاء العرب بفتات حل، وفي نفس الوقت إقناع نتانياهو بجدوى الصفقة مع إيران. لكن نتانياهو غير معني، لا بتقديم تنازلات للفلسطينيين، ولا بزحزحة موقفه من إيران لجهة منعها من امتلاك سلاح نووي. وهذا ما تأكد منه الفلسطينيون منذ بداية جولات كيري، حين قدم الوفد الفلسطيني المفاوض استقالته وتوقفت المفاوضات عند قدمي تسيبي ليفني، التي يبدو أنها لم تستطع إغواء رئيس الوفد صائب عريقات كما أغوت من سبقه بمفاتن الجسد، لتحصل على مفاتن الجغرافيا متمثلة بالوطن القومي الإسرائيلي!

يحاول الوزير الأميركي إحداث اختراقات سياسية للحل، لكنها تبدو أقرب إلى السخافات. فقد اعتبرت مصادر فلسطينية رفيعة المستوى أن الاقتراحات التي قدمها كيري أثناء زيارته رام الله واجتماعه بالرئيس محمود عباس، أبعد ما تكون عن المنطق وفي غاية السوء.

وتشمل خطة كيري السيطرة الأمنية الإسرائيلية على معابر الضفة الغربية مع الأردن، وكذلك الأجواء ومصادر المياه، ووضع محطات إنذار مبكر على قمم جبال الضفة الغربية، وإقامة مطار فلسطيني في الجانب الأردني من نهر الأردن، ويدار من قبل طواقم أردنية، بالتنسيق مع إسرائيل. كما تطالب الخطة بما تسميه إسرائيل "حق المطاردة الساخنة" للمطلوبين في مناطق الدولة الفلسطينية العتيدة.

الطرح الجديد خطير، رغم سخافته، فهو يتضمن لأول مرة اعتداء على الأرض الأردنية، في حين يؤكد الأردن المرة تلو المرة دعمه الكامل لإقامة دولة فلسطينية مستقلة، وأن "الأردن هو الأردن، وفلسطين هي فلسطين". كلما دق كوز الحل بجرة الكيان الصهيوني، سارع الأميركيون إلى تأكيد انحيازهم له: فقد أعلن الرئيس الأميركي باراك أوباما أن الولايات المتحدة توصلت إلى نتيجة مفادها أن حل الدولتين في الشرق الأوسط "يتضمن بقوة الضمانات الضرورية لأمن إسرائيل".

أما نتانياهو فاعتبر أن أي اتفاق سلام، يجب أن يتيح لإسرائيل أن "تدافع عن نفسها بقواها الذاتية". ويصر على أن أية دولة فلسطينية مستقبلية، يجب أن تكون منزوعة السلاح، وأن تتمكن إسرائيل من أن تبقي على وجود عسكري طويل الأمد على الحدود مع الأردن، فيما يصر الفلسطينيون على إنهاء الاحتلال الإسرائيلي لأراضيهم، ولكنهم يقبلون بنشر قوة دولية، وهو خيار ترفضه إسرائيل.

أوباما يتحدث عن الوضع كما لو أنه يبحث أول مرة، وليس منذ مؤتمر مدريد 1991، حين يقول إنه في إطار احتمال التوقيع على اتفاق سلام، يجب أن يوافق الفلسطينيون على رغبة إسرائيل في قيام "فترة انتقالية" للتأكد من أن الضفة الغربية لا تشكل مشكلة أمنية مشابهة لتلك التي شكلها قطاع غزة بقيادة حماس، و"هذه الفترة الانتقالية تتطلب ضبط النفس من قبل الفلسطينيين أيضاً. لا يمكنهم الحصول على كل ما يريدون منذ اليوم الأول".

لا اتفاق في الأفق، ولا سلام في ظل الوضع العربي الراهن. غيوم بدون مطر، وجفاف متحجر في الأرض، ولا عزاء لمن أسقط السلاح أمام من يحمل في وجهه كل الأسلحة!

طباعة Email
تعليقات

تعليقات