انطباعات حول الخلوة

أكتب هذا المقال قبل بدء الخلوة الوزارية لمجلس الوزراء، التي هي في يومها الثاني الآن، وينُشَر المقال قبل الإعلان عن نتائج هذه الخلوة المخصصة لتطوير قطاعي الصحة والتعليم في الدولة، لذلك فإن ما أكتبه، وما كتبه الزملاء الذين كتبوا عن الخلوة حتى اليوم، لا يعدو كونه انطباعات حولها، وليس تحليلاً ولا مناقشة لنتائجها.

هذه الانطباعات مصدرها الأول هو الخلوات السابقة التي عقدها مجلس الوزراء خلال السنوات الماضية في أماكن مختلفة من الدولة، وهي خلوات خرجت عن المألوف بكسرها رتابة البروتوكولات، وتخليها عن طابع الاجتماعات النمطية التي تعودنا رؤيتها في الصحف ونشرات الأخبار الإذاعية والتلفزيونية، تلك التي اتخذت شكل الخبر الرسمي الذي غالباً ما ينصرف عنه القارئ والمستمع والمشاهد، لأنه حفظ ديباجته....

وكيف يبدأ، وأين ينتهي، وحتى زاوية الصورة التي تُنشَر وتُبَثّ عنه، منذ أن بدأ المواطن قراءة الصحيفة، والاستماع إلى المذياع، ومشاهدة التلفاز. لذلك لم يعد هذا الخبر هو الخبر الذي يبحث عنه أو يتابعه، أو يحظى بالكثير من اهتمامه، ما لم يحتو على شيء ينتظره. ومصدر هذه الانطباعات الثاني، هو أن هذه الخلوة خصصت لتطوير قطاعين مهمين، ليس في دولة الإمارات فقط..

وإنما في أي دولة؛ هما قطاعا الصحة والتعليم. ومعروف أن هذين القطاعين هما أكثر القطاعات التصاقاً بحياة الناس، وأكثرها تأثيراً في هذه الحياة، وأكثرها مصدراً للشكوى من فئات المجتمع، فالصحة شرط أساسي لاستمرار الحياة، والتعليم شرط أساسي لتقدم المجتمعات والشعوب، وإحداث التغيير المطلوب.

ومصدرها الثالث هو التغريدات التي أطلقها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، عبر موقع سموه في تويتر، ودعا من خلالها المواطنين والمقيمين في الدولة كافة للمشاركة بأفكارهم واقتراحاتهم الإيجابية في أكبر عصف ذهني في العالم، لتطوير قطاعي الصحة والتعليم في الدولة، عبر توليد أكبر قدر من الأفكار والحلول الإبداعية، يشترك الجميع في صياغتها وتطويرها وتنفيذها، وحث سموه الجميع، صغاراً وكباراً، نساءً ورجالاً، على المشاركة، وتزويد الحكومة بالأفكار والاقتراحات لتطوير هذين القطاعين، وتفاؤل سموه بالمشاركات، وبقدرة الحكومة على التطوير.

ومصدرها الرابع هو التجاوب الكبير الذي وجدته هذه الدعوة، والتفاعل الإيجابي معها، منذ الساعات الأولى لإطلاق الوسم الخاص بها، والذي عبر عنه عدد المستخدمين الذي وصل إلى 12 مليون مستخدم خلال 9 ساعات فقط، وأكثر من 50 ألف فكرة خلال 3 أيام من إطلاق المبادرة. وكان اللافت أن السعودية وأميركا..

بالإضافة إلى الإمارات، كانت الأكثر تفاعلاً مع الوسم، الأمر الذي يعني أن هذه الخلوة تجاوزت بُعدها المحلي إلى البُعد الإقليمي والدولي، فلم تعد شأناً محلياً صرفاً، وإنما غدت تسترعي اهتمام ومشاركة شعوب في الخارج، أصبحت تهتم بشأننا....

وأصبحنا جزءاً من اهتمامها، كما يعني أن الموضوعين اللذين تم اختيارهما للمناقشة في الخلوة مهمان، ويشكلان عصب الحاضر والمستقبل لأي شعب من شعوب العالم، بغض النظر عن مدى تطور هذا الشعب أو تخلفه، ويعني أيضاً أن حكومة دولة الإمارات تلمس، بعناية فائقة وحس واع، احتياجات الناس وبؤر اهتمامهم، ما تعلق منها بيومهم المعاش، أو مستقبلهم المنظور.

ومصدرها الخامس هو إشراك ممثلين عن الميدان، من المعلمين، والأطباء، ومديري المدارس، والطلاب، وأولياء الأمور، وذوي الاحتياجات الخاصة، في الخلوة، لأن أهل الميدان هم الأقرب والأنسب لمناقشة قضايا القطاعين المطروحين فيها، وتداول الأفكار التي وردت في العصف الذهني الضخم الذي شهدته مواقع التواصل الاجتماعي خلال الأيام الماضية، منذ أن نُشِر خبرها، مصحوباً بدعوة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد الجميع إلى المشاركة فيها بطرح الأفكار والاقتراحات.

ومصدرها السادس هو أن هذا "التفاعل الشعبي الإيجابي مع مبادرة العصف الذهني الإماراتي، يُحَمِّل جميع الوزراء في الحكومة مسؤولية إضافية"، كما جاء في إحدى تغريدات صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد. وهذا الإحساس بالمسؤولية من قمة الهرم الحكومي، هو الضمانة الأولى لأن تتحول الأفكار التي تمت مناقشتها في الخلوة، إلى برنامج عمل للحكومة....

ولا تصبح مادة تحفظ في الأرشيف، مثلما تعودنا في كثير من الاجتماعات والندوات التي عادة ما تُطرَح فيها أفكار عظيمة وخلاقة، لكنها تبقى حبيسة الأدراج، لأنها لا تجد من يتحمس لها ويحولها إلى برامج عمل.

من هنا تأتي أهمية هذه الخلوة الوزارية وقيمتها وقوتها، لأن من دعا لها هو رأس السلطة التنفيذية في الدولة، وهو نفسه المتعهد بتنفيذها، وعندما يكون صاحب القرار هو المتحمس له والمتعهد بتنفيذه، نكون قد اجتزنا عقبة كبيرة، هي التي تحول عادة دون تحوّل الأفكار إلى حقيقة على أرض الواقع. لذلك نقول إننا متفائلون بهذه الخلوة..

وتفاؤلنا هذا مستمد من تفاؤل صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد الذي دعا إليها، ومن قدرة سموه على تحويل الأفكار إلى قرارات، وتحويل القرارات إلى برامج عمل. وهو ما يجعلنا نستذكر قول سموه إن "الحكومة ليست سلطة على الناس، ولكنها سلطة لخدمة الناس".

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات