«الضربة القاضية» وميراث العنصرية في أميركا

انشغل المجتمع الأميركي طوال شهر نوفمبر المنصرم، بما يسمى "لعبة الضربة القاضية". ووفق ما قاله الإعلام، فإن اللعبة تمارسها مجموعات من المراهقين السود، حيث تجتمع الواحدة منها في الشارع لتنتقي أحد المارة، فيعاجله أحدهم بضربة قوية واحدة لتطرحه أرضا فاقدا للوعي.

وتوجيه تلك الضربة للضحية ليس له أي سبب على الإطلاق، سوى التباهي بين الأولاد بالقدرة على إفقاد الضحية وعيها بضربة واحدة قاضية، وكثيرا ما تقوم تلك المجموعات بتصوير الواقعة لوضعها على مواقع التواصل الاجتماعي للتباهي. وفي كثير من الأحيان لا يؤدي ذلك العنف لفقدان الوعي فقط، وإنما قد يؤدي للوفاة.

وكانت الأسابيع الماضية قد شهدت بعض حوادث العنف في عدة مدن أميركية، من نيويورك وجرسي سيتي لفيلادلفيا وبيتسبرغ وشيكاغو، فسلطت وسائل الإعلام الضوء عليها باعتبارها ظاهرة جديدة هي "لعبة الضربة القاضية".

وقدمت شبكة سي إن إن، على سبيل المثال، الأحداث باعتبارها "تستحوذ على اهتمام رجال الأمن"، بينما نشرت "وول ستريت جورنال" تقريرا بالتعاون مع الأسوشييتد برس، اعتبر أن "عنف الضربة القاضية صار ظاهرة في البلاد".

أما صحيفة "يو إس إيه توداي"، فقد أعدت تقريرا عن "الخطوات الاحترازية" التي تتخذها أجهزة الأمن في عدد من المدن، مثل واشنطن ونيوهافن وغيرها، لمكافحة "الظاهرة". والإعلام الأوسع انتشارا، كتلك الصحف والشبكات، غطى الموضوع عبر تقارير فيها من الإيحاءات أكثر مما فيها من الأدلة. فهي عادة تقارير تقول إن شخصا يدعى كذا تعرض للموت أو الإصابة، في حادث "تعتقد" الشرطة أنه "ربما" يكون مرتبطا بظاهرة "لعبة الضربة القاضية" التي يمارسها الشباب السود.

أما الإعلام المحلي فقد ركز بدرجة أكبر على اعتبار "اللعبة" وباء جديدا ألم بالبلاد، لا بد معه أن يحتاط المواطنون خلال سيرهم في الشوارع. وفي كل الحالات، كانت تغطية وسائل الإعلام المحافظة تعطي الانطباع بأن عنف السود ضد البيض قد خرج عن السيطرة.

لكن ما جاء في وسائل الإعلام لم يكن دقيقا على الإطلاق، فلا الظاهرة جديدة ولا هي تقتصر على الشباب السود، ولا هي حتى ظاهرة من الأساس! فالاعتداء على المارة لطرحهم فاقدين للوعي، مسألة ظهرت لأول مرة تحت مسمى آخر في التسعينات، ووقتها كان الجناة والضحية كلهم من البيض، بالمناسبة. وممارسة المراهقين والشباب للعنف لا تقتصر على السود، وإنما هي واقع اجتماعي يمارسه الشباب البيض والسود والشباب من أصول وإثنيات أخرى.

ومنذ سنوات قليلة، تم القبض على سبعة من الشباب البيض، لأنهم استهدفوا رجلا من أصول لاتينية واعتدوا عليه بالطريقة نفسها حتى الموت.

ورغم التغطية الواسعة لما يسمى "لعبة الضربة القاضية"، فسرعان ما راحت تصريحات أجهزة الأمن تكذب ما جاء فيها. فشرطة مدينة فيلادلفيا أعلنت أن واقعة واحدة فقط حدثت في المدينة، يمكن اعتبارها من ذلك النوع من العنف.

ونفت شرطة مدينة جرسي وقوع أية حوادث في المدينة يمكن ربطها باللعبة المميتة. وقد نقلت صحيفة نيويورك تايمز عن أجهزة الأمن من مختلف المدن، أنهم يعتبرون حكاية "لعبة الضربة القاضية" أسطورة لا أساس لها، وأن العنف الذي يطلق عليه ذلك الاسم ما هو إلا أحد أشكال العنف المعروف باسم "العدوان العشوائي في الشوارع"، والذي هو أحد أنواع الجرائم المعروفة التي تعاني منها المدن الأميركية دوما، وحوادثها لا تتوقف.

وقد شككت الصحيفة أيضا في ارتباط ذلك النوع من العنف الشبابي بالسود وحدهم. أما شبكة "إن بي آر" الإذاعية، فقد أعلنت أن العنف بين المراهقين والشباب قد انخفض أصلا بشكل ملحوظ خلال العقد الأخير، ومن ثم لم يكن هناك داع لتلك الضجة حول حوادث متفرقة.

باختصار، أصبح كل ما نشرته وسائل الإعلام طوال شهر كامل مشكوكا في مصداقيته، وسرعان ما ستتلاشى تلك الحملة ويطويها النسيان، إلا أن تلاشي الحملة لن يمحو آثارها التي قد تمتد لفترة ليست قصيرة. فمثل تلك الحملات لا تثير فقط ذعر الناس، خصوصا أنه عنف عشوائي لا يهدف للسرقة، وإنما بتركيزها على الهوية العرقية لبعض الجناة، تقوم بإعادة إنتاج الصور النمطية السلبية لهم.

فالولايات المتحدة لا تزال تعاني من عزلة السود عن البيض في السكن، وهو ما يؤدي في أحيان كثيرة إلى وضع يمكن فيه للبيض أن يعيشوا حياتهم دون أن يحتكوا مطلقا بالسود، ومن ثم لا يعرفون شيئا عنهم إلا من خلال وسائل الإعلام.

وتأكيد تلك الحملة على "عنف السود"، يحيي لدى البيض ذلك الخوف التقليدي من السود، وخصوصا الشباب الذكور منهم، وهو الخوف الذي يعتبر واحدة من أكثر المشكلات العرقية في أميركا حساسية وتعقيدا.

فإذا عشت في الحضر بأميركا لفترة، ستلحظ بوضوح أن البيض يتجنبون الاقتراب من الرجال السود تحديدا، ولا يشعرون بالراحة في التواجد معهم في مكان واحد. وتلك الظاهرة هي إحدى تجليات ميراث العنصرية البغيض، وما تلاه من ممارسات تسعى ضمنيا لتخويف البيض من مواطنيهم السود لتحقيق مكاسب سياسية.

وإحياء كل تلك المخاوف لدى البيض، يفسح المجال للمتطرفين للاعتداء على السود بأشكال مختلفة، ويفتح الباب واسعا أمام المزيد من التشريعات في مجال الجريمة، والتي لا يعاني منها في أميركا سوى الفقراء والأقليات الأقل حظا.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات