الأصابع للندم أيضاً

الدول أيضا لديها أصابع، تستخدمها لإشعال عود الثقاب لتحرق، أو لتطلق الرصاص على الجيران، أو لتحرك المؤامرات نحو مصالحها. لكن إن خسرت حربا فللأصابع وظيفة أخرى، هي العض عليها ندما.. وثمة أصابع في المنطقة تئن تحت أسنان الندم الآن!

منذ بداية ما سمي "الربيع العربي" زورا وجهلا، كانت أنقرة ضلعا في مثلث المؤامرة ضد العرب، مدفوعة بالإرث العثماني القديم، الذي اعتبر الشعب العربي مجرد رعايا لدى الباب العالي، وأنهم أعراب صحراء وحواري لا أبواب لها سوى ذاك العالي!

لقد كان لافتا، بل محيرا، دور إسلاميي تركيا منذ أن سمح لهم بتسلم السلطة في جمهورية أتاتورك، والبدء بتحويل البلاد من علمانية إلى "إسلامية". وكيف سمح الغرب بهذا التحول في غمرة العداء الغربي للإسلاميين عقب تفجيرات نيويورك؟ تم التحول تحت لافتة الدمقرطة، التي صفقنا لها وصدقناها ببراءة من صدق أن الذئب أصبح حملا! فمشروع "الدمقرطة" كان أحد مشاريع إدارة جورج بوش الثاني، الذي نفذ مشروع احتلال العراق وحرب أفغانستان وإنتاج المنظمات المسماة "جهادية"، التي أنيط بها تنفيذ مخطط الفتنة كطراز جديد من الحروب تنبأ به "آندرو مارك" في توقعاته التي نشرها عام 1975، والقائلة بضرورة إنتاج جيل جديد من الحروب يقوم فيه خصوم أميركا بتدمير أنفسهم بأنفسهم دون الحاجة إلى تدخل خارجي، بل يكفي فقط دس السم في الإعلام وإطلاق الغرائزية لتدمير الجميع، وقامت دول وفضائيات بتمويل هذا الهدف في مرحلة الربيع العربي.

وقد بدأ تنفيذ المخطط بخلخلة أسس الدولة في البلدان العربية، بمعول "الإسلاميين" الذين كان مطلبهم الأساس هو قوة الدولة واستمراريتها ووحدة المجتمع، من خلال إعلاء قيمة المواطنة والتعبير عنها بحرية وديمقراطية، ووقف الفساد والدفع بعجلة التنمية إلى الأمام، لمحاربة الفقر والمرض وتوفير لقمة العيش الكريمة..

تلك الشعارات التي اختصرها إسلاميو مصر بثلاثية "خبز، حرية، عدالة اجتماعية"، وانتقلت إلى بقية دول الربيع العربي، وهي مطالب حق أريد بها باطل تدميري، من خلال نهج أدى إلى ضرب هيبة الدولة ووحدة المجتمعات العربية، عبر استمراء كسر القوانين بدل تعديلها وتطويرها، وكسر وحدة المجتمع بالعبث في المكونات الشعبية، تارة على أساس مذهبي وتارة إثني وكثيرا إقليمي وطائفي، فما من مظاهرة إلا وفيها الكثير من العبث السياسي والتناحر المذهبي، وتسطيح الحالة الصدامية بين ثائر وبلطجي أو حراكي ومخبر أو شبيح.. إلى باقي المواصفات التي تم إنتاجها في مختبرات إعلامية مسكونة بهاجس تحطيم المجتمعات العربية. وإذ بنبوءة مارك تتحقق ويتأكد لنا أنها ليست نبوءة، بل مخطط صهيوني ربما سربه من دون أن يدري..!

واقع دول الربيع العربي ما هو إلا استنساخ لتجربة لبنان قبيل العام 1989 وما تلاها، فثمة أمراء للطوائف وجنرالات في كل دولة يزداد نفوذهم يوما بعد يوم على حساب الدولة الوطنية، يبنون كل يوم مجدا وثروة، وتعلو قيمة الفرقة وتزداد النزعات الطائفية والمناطقية والمذهبية، وغاب شعار الدولة الوطنية الجامعة.. فمصر بين إقصاء الإخوان وشيطنة السيسي، وسوريا تنتقل من حكم الطائفة إلى حكم الطوائف والعرقيات، والصراع في اليمن ليس بين جنوبه وشماله، بل بين شرق الجنوب وغربه. وربما كان ما يجري في اليمن بروفة لما نشرته نيويورك تايمز عن مخطط تقسيم الوطن العربي عرضيا إلى أكثر من أربعين دولة، وليس طوليا كما سايكس ـ بيكو. وحدث ولا حرج عن رياح التقسيم التي تعصف بليبيا، وتنزع رداء الوحدة عن تونس.

للأسف فإن للإسلاميين دورا هداما في المخطط، ولتركيا أولوية الوصول إلى الحكم وأولوية الدعم للإسلاميين العرب بدعوى الأخوة الإسلامية، كما لها أولوية التحول من اتجاه إلى اتجاه معاكس له تماما.

لكن إسلاميي تركيا أكثر ذكاء من الإسلاميين العرب. فبعد الاتفاق الأميركي ـ الروسي بشأن سوريا، غيرت أنقرة اتجاه البوصلة، فأرسلت داوود أوغلو وزير خارجيتها إلى طهران، التي كانت قبيل الاتفاق الأميركي الروسي عدوتها المذهبية. "لا شيء نعتذر عنه، ولا شيء تغير في مواقف تركيا، الإقليم هو الذي تغير"، على النحو يرد السيد أحمد داود أوغلو على منتقدي السياسة الخارجية التي اختطتها أنقرة في السنوات الثلاث الأخيرة.

المنطقة تغيرت منذ "الكيماوي السوري" و"النووي الإيراني"، وتركيا أظهرت مرونة (انتهازية) في قدرتها على التنقل بين المواقف والمواقع، ودائما بحسابات "التاجر الشاطر"، تبحث عن السلاح (وأشياء أخرى) في موسكو، وعن "مئة مليار دولار" تبادل مع إيران، وعن النفط والغاز من شمال العراق، ولا بأس من جنوبه كذلك.. لكن العقدة السورية ما زالت تقف في طريق "المنشار التركي"، والمؤكد أنها تسعى اليوم للالتفاف من حولها بعد أن تعذر عليها كسرها وتشطيرها! هي بالفعل لعبة المصالح التي تغير السياسات والاتجاهات، لكنها لعبة لا يجيدها العرب الذين تورطوا في التغيير الذي ثبت أنه مجرد قشور لما جرى تحته، وما سيجري لاحقا الذي نعتقد أنه الزلزال الأكبر الذي سيهدم دولا أخرى!

طباعة Email
تعليقات

تعليقات