المأساة الكبرى لأميركا اليوم

بينما تتركز عيون الكثير من المراقبين على ما يجري في مناطق التوتر على امتداد العالم وردود فعل أميركا حيالها، فإن الاقتصاد الحقيقي الذي يعيش فيه معظم الأميركيين يتداعى.

وبعد 4 سنوات من الإعلان رسمياً عن نهاية الركود، فإن 11.5 مليون أميركي يعانون من البطالة، وقد ظل الكثير منهم كذلك على امتداد سنوات. وتخلى 4 ملايين أميركي كلية عن السعي للحصول على عمل. ولو أنهم كانوا يسعون للحصول على عمل بصورة نشطة، لكان معدل البطالة قد أصبح 7.3% بدلاً من 9.5%.

ونصيب السكان الذين يعملون أو يسعون للحصول على عمل هو الأقل في 35 عاماً، وتبلغ نسبة البطالة لمن لم يكملوا التعليم الثانوي 11% وتصل بالنسبة للسود إلى 13%، ويواجه أكثر من طفل واحد من بين كل 5 أطفال أميركيين الجوع بحسب بيانات جديدة صادرة عن وزارة الزراعة الأميركية.

المجتمع المنصف من شأنه أن يرفع الحد الأدنى من الأجور، ويوسع نطاق الإعفاء من ضريبة الدخل المكتسب (وهو ما يعد دعماً للأجر)، ويوفر كوبونات الأغذية والمساعدة على الإسكان، بحيث لا تعاني العائلات التي تضم عاملين بدوام كامل من العيش في ظل الفقر.

إن بمقدور الأميركيين تحقيق هذا المستوى من العدل والإنصاف، ولكن صقور العجز في الحزبين كليهما لا يريدون معرفة ذلك، ويواصل العجز الفيدرالي كنسبة من إجمالي الاقتصاد بانكماش سريع، وهو في طريقه إلى أن يبلغ 4% فقط بحلول نهاية سبتمبر الجاري، عندما ينتهي العام المالي. ويتنبأ مكتب الميزانية التابع للكونغرس والذي لا يخضع لضغوط حزبية بأنه سيصل إلى 3.4% في العام المالي الذي يبدأ في مطلع أكتوبر المقبل.

وإذا شئنا أن نضع هذا في سياقه الصحيح، فإن علينا أن نضع في الاعتبار أن متوسط نسبة العجز لإجمالي الناتج المحلي على امتداد الثلاثين عاماً الماضية، كان 3.3%، وهكذا فإن العجز يشكل مشكلة بالكاد، ومع ذلك، فإنه بينما سينصرف الاهتمام في الولايات المتحدة إلى المشكلات الخارجية، يتم تقليص كوبونات الغذاء المخصصة للفقراء، وسيقوم مجلس النواب بإلغاء هذه الكوبونات بالنسبة لـ 800 ألف أميركي آخرين يتلقونها الآن.

وحتى إذا تمكن الديمقراطيون من الحيلولة دون هذه التخفيضات الرهيبة، فإن عمليات الانتفاع بكوبونات الغذاء سوف تقلص في نوفمبر المقبل عندما ينتهي العمل ببند في قانون التحفيز لعام 2009.

وبينما يتركز الاهتمام في أميركا على القضايا الخارجية ، فإن الأرصدة المخصصة لأكثر المدارس الأميركية فقراً يجري تخفيضها بشدة، ولا يزال يجري صرف المدرسين عن العمل والفصول الدراسية الأكثر ازدحاماً من أي وقت مضى، وسوف يتم سحب مزيد من الأرصدة بعد مطلع أكتوبر المقبل.

في غضون ذلك فإن الإسكان لذوي الدخول المنخفضة آخذ بالتلاشي، وقد تم بالفعل تخفيض الدعم للإسكان بمقدار 854 مليون دولار هذا العام، ونجم عن ذلك أن نصف هيئات الإسكان العام قد توقفت عن تقديم هذا الدعم برغم أن النسبة المئوية للعائلات الأكثر احتياجاً للإسكان قد ارتفعت بنسبة 19% منذ 2009، والتخفيضات المقرر سريانها اعتباراً من أول أكتوبر ستكون أشد قسوة.

وبينما ينصرف الاهتمام في أميركا إلى القضايا الخارجية، فإن أثرياء أميركا سيزدادون ثراءً، ودخل عام واحد لواحد من العشرة الأكثر ثراءً في أميركا يمكن أن يوفر سكناً لجميع المشردين في أميركا لمدة عام كامل، (هذا التقرير مبني على أساس يوم عادي في الشتاء الماضي عندما كان هناك 633 ألف أميركي يتعرضون للتشرد.

 وكانت الكلفة الشهرية التقليدية لإيجار وحدة سكنية تضم غرفة واحدة هي 558 دولاراً شهرياً)، ولكننا لا نتحدث عن أي من هذا، ولا نناقش ما الذي يحدث داخل أميركا.

ولا نسعى لتوفير وظائف للعاطلين على المدى الطويل، ونحن لا نقوم بزيادة الحد الأدنى للأجور أو بتوفير ما يكفي من كوبونات الغذاء لإطعام الأطفال الفقراء أو مواصلة إبعاد العاملين الأميركيين عن الفقر، ونحن لا نقوم بتحسين أفقر مدارس أميركا، أو بتقديم ما يكفي من الإسكان لذوي الدخل المنخفض لكي نبعد العائلات الأميركية البائسة عن الشوارع.

إننا لا نصلح نظامنا الضريبي، أو نجعل التعليم الجامعي متاحاً بشكل أكبر، أو نصلح نظام هجرتنا التعسفي ونحن لا نتعامل مع الهوة الآخذة في الاتساع بين القلة التي تحتل قمة الهرم والتي تزداد أحوالها تحسناً من أي وقت مضى، وبين الأعداد الكبيرة في أسفل الهرم الذين يواصلون التردي، نحن لا نخرج الأموال الطائلة من الحياة السياسية الأميركية.

نحن مشلولون داخل أميركا، في الوقت الذي نجد اهتمامنا متركزاً نحو القضايا الخارجية، وهذه هي المأساة الكبرى في عصرنا بالنسبة لأميركا.

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات