التقليص الضروري لحياة الأميركيين

يتمثل الخبر الجيد القادم من أميركا هذه الأيام، في أن الوظائف تعود إلى السوق، أما الخبر السيئ فهو أن معظم هذه الوظائف تدفع عنها أجور متواضعة، ولا تقدم مزايا مواكبة للوظيفة إلا بشكل محدود، إن كانت هناك مزايا على الإطلاق. وقد بدأ الاتجاه إلى الأجور الهزيلة قبل الركود الكبير.

ويفيد تقرير جديد صادر عن معهد السياسة الاقتصادية، أن نمو الأجر المحدود بين عام 2000-2007، ارتبط بفقدان الوظائف بالنسبة لمعظم العاملين منذ ذلك الحين، وهو ما يعني أن 60%من العاملين الأميركيين يكسبون الآن أقل مما كانوا يكسبونه قبل 13 عاما.

وهذا أيضا جزء من التفسير للسر في أن النسبة المئوية للأميركيين الذين يعيشون تحت خط الفقر، مضت تتزايد حتى فيما كان الاقتصاد الأميركي يشرع في الانتعاش، من 12.3% عام 2006 إلى حوالي 14% هذا العام.

وهناك 35 مليون أميركي يعيشون الآن تحت خط الفقر. والكثير من هؤلاء الأميركيين لديهم وظائف، ولكن المشكلة تتمثل في أن هذه الوظائف لا يدفع لهم عنها ما يكفي لإخراج عائلاتهم من دائرة الفقر. ولكن مهلا، فمنذ عام 2000 زادت الإنتاجية في أميركا بنسبة 25%.

وهذا يعني أن العامل الأميركي المتوسط ينتج زيادة تقدر بالربع، مقارنة بما كان ينتجه قبل 13 عاما. وهكذا، فإنه إذا كانت الأجور قد استمرت على ما هي عليه، أو انخفضت بالنسبة إلى 60% من الأميركيين الآن، وزادت الإنتاجية مع ذلك، فإن السؤال الذي يفرض نفسه هو: أين ذهبت العوائد؟ لقد ذهبت في غالبها إلى الشركات والشريحة شديدة الثراء من الأميركيين.

إن هذا كله يقدم سياقا للإضرابات التي حدثت في الأسابيع الماضية في سلسلة مطاعم الأغذية السريعة، حيث يطالب العمال بزيادة أجرهم الحالي الذي يتراوح بين 8 و10 دولارات في الساعة، إلى 15 دولارا، وكذلك المظاهرات في متاجر أخرى حيث يطالب العمال بأجر أفضل.

ويكسب العامل في شركة وول مارت، على سبيل المثال، 8.81 دولارات في الساعة، وثلث العاملين في هذه الشركة يعملون أقل من 28 ساعة أسبوعيا، ولا يحصلون على أي مزايا. وعدد محدود من هؤلاء العاملين هم من المراهقين، ومعظمهم يتعين عليهم إعالة عائلاتهم.

ووفقا لمكتب إحصاءات العمل، فإن متوسط العمر بالنسبة للعاملين في قطاع الأغذية السريعة يزيد على 28 عاما، والنساء اللواتي يشكلن ثلثي العاملين في هذه الصناعة، متوسط أعمارهن فوق 32 عاما، ومتوسط العمر بالنسبة للعاملين في قطاع التجزئة يزيد على 30 عاما، وهؤلاء العمال يكسبون عادة نصف دخول عائلاتهم، وهم يحتاجون علاوة في أجورهم.

والحد الأدنى للأجور ينبغي أن يزيد على الأقل من المستوى الراهن، وهو 7.25 دولارات في الساعة، إلى 10.50 دولارات في الساعة، وإلى 15 دولارا في المناطق الواقعة في الولايات ذات تكلفة المعيشة الأعلى. ولو أن الحد الفيدرالي الأدنى للأجور واصل الصعود مع مستوى التضخم منذ أواخر ستينيات القرن الماضي، لكان يزيد على 10 دولارات في الساعة اليوم.

وخلافا للطروحات التي يمكن التنبؤ بها من جانب المنظرين المحافظين، فإن مثل هذه الزيادة لن تتسبب في فقدان الكثير من العمال ذوي الأجور المنخفضة لوظائفهم، فخلافا للوظائف الصناعية، فإن نوعية وظائف خدمات التجزئة هذه لا يمكن تعهيدها في الخارج، ولا يمكن توقع أن تحل محلها الماكينات أو أجهزة الكمبيوتر. فالخدمات التي يقدمها هؤلاء العمال، هي خدمات شخصية ومباشرة، فلا بد من جود شخص ما لمساعدة العملاء ولتقديم شطائر الهامبرغر.

ولن تصدقوا المنتقدين الذين يقولون إن الزيادات في الأجور التي يحصل عليها هؤلاء العاملون، سيتم تمريرها إلى المستهلكين في صورة أسعار أعلى. وذلك لأن سلسلة مطاعم الأغذية السريعة ومحلات التجزئة، يتعين عليها أن تنافس بشكل محتدم للحصول على مستهلكين، وليس أمامها خيار إلا أن تبقي أسعارها منخفضة.

وهذا يعني أن زيادات الأجور للعمال ذوي الأجور المنخفضة، سوف تجيء من الأرباح التي بدورها ستقلص قليلا من العوائد على حملة الأسهم ومن رزم التعويضات الخاصة بكبار المسؤولين التنفيذيين، وهذا لن يكون شيئا بالغ السوء في نهاية المطاف.

وأفاد تقرير للمشروع الوطني لقانون التشغيل، أن معظم العاملين ذوي الأجر المنخفض تقوم بتشغيلهم شركات كبرى تتمتع بأرباح ملموسة، وثلاثة أرباع هؤلاء القائمين بالتشغيل (50% من أكبر القائمين بالتشغيل للعمال منخفضي الأجور)، يحصلون الآن على عوائد أعلى مما كانوا يحصلون عليه قبل الركود.

وقد سجل العديد من الشركات الأميركية نتائج قوية خلال فترة الركود، باجتذاب المستهلكين الذين يعانون من محدودية السيولة، وواصلت مبيعاتها الارتفاع، وحصل المسؤولون التنفيذيون فيها خلال العام الماضي، على رزم تعويض تقدر 12 مليون دولار في المتوسط.

وواصلت شركة وول مارت، التي تعد أكبر مشغل في أميركا، النمو على الرغم من الاقتصاد المتهالك، وتدفع مبالغ طائلة لمسؤوليها التنفيذيين. وقد بلغ إجمالي رزمة التعويض التي نالها المسؤول التنفيذي الرئيسي للشركة العام الماضي 20.7 مليون دولار، بعد أن كان 18.1 مليون دولار في 2011، وزاد إجمالي المبيعات 5% ليصل إلى 466.1 مليار دولار، وزادت العائدات للسهم الواحد بنسبة 10.6%.

وليس من قبيل المصادفة أن ثروة عائلة والتن التي لا تزال تمتلك الحصة الأكبر من أسهم وول مارت، تتجاوز الآن ثروة 40% من أصحاب الدخل الأقل من العائلات الأميركية مجتمعين، وذلك حسب ما يؤكده تحليل معهد السياسة الاقتصادية الأميركي.

لن يكون من قبيل المأساة إذا تم تقليص بعض عائدات حملة الأسهم ورزم التعويضات للمسؤولين التنفيذيين هذه، لكي يحصل العاملون ذوو الأجور المنخفضة في وول مارت وماكدونالدز وكي إف سي على علاوة.

إذا أريد لأميركا أن تكبح جماح ما تشهده من مطالب، فإن مثل هذا التقليص يعد أمرا ضروريا.

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات