أميركا ومحاباة الأكثر حظاً

ذكرت وزارة العمل الأميركية أخيراً، أن 236 ألف فرصة عمل جديدة تم إيجادها في فبراير الماضي.

وذلك خبر سار، ولكنه ليس ساراً بما يكفي. فحتى لو استمر هذا المعدل، وهو ما يبدو غير مرجح، فإن الولايات المتحدة لن تعود إلى مستويات البطالة التي سجلتها في مرحلة ما قبل الركود حتى أربع سنوات أخرى.

ويبقى العمال الأميركيون في سوق هابطة، فلا يزال أكثر من 12 مليون أميركي بلا عمل، ويعمل 8 ملايين أميركي آخرين بدوام جزئي، رغم تفضيلهم العمل بدوام كامل، فيما توقف كثيرون عن البحث، ونسبة الأميركيين البالغين سن العمل الذين لديهم وظائف، تعتبر في أدنى مستوى لها منذ عقود.

وفي غضون ذلك، تواصل الأجور عدم مواكبتها للتضخم، إذ يقل متوسط الأجر الحقيقي عما كان عليه في عام 2000، بما يقرب من 8%.

ومع ذلك، فإن المستثمرين ينعمون بأحد أكثر الأسواق صعوداً في الذاكرة الحديثة. فقد وصل مؤشر داو جونز الصناعي لمستوى قياسي، وتضاعفت أرباح الشركات منذ عام 2000.

 فلمَ يسير سوق الأسهم على خير ما يرام فيما يعيش معظم الأميركيين أسوأ الأحوال؟ يعود ذلك لأربعة أسباب..

أولها، أن الشركات باتت تستثمر في التقنيات الجديدة، بدلاً من الاستثمار في موظفيها، ونتيجة لذلك، فإنها تستطيع الآن القيام بالمزيد في ظل وضعها لعدد أقل من الأشخاص على جداول رواتبها. وذلك يعني أرباحاً أكثر، ولكنه يعني أيضاً أجوراً وفرص عمل أقل. وواشنطن مسؤولة عن هذا بشكل جزئي، إذ تتلقى الشركات إعفاءات وحسومات ضريبية، لقاء الاستثمارات في التقنيات والآلات الجديدة، ولكنها لا تحصل على مزايا ضريبية لقاء تحسين مهارات موظفيها.

والسبب الثاني، هو أن ارتفاع معدلات البطالة بدد القوة التفاوضية لمعظم العمال، ما يسمح للشركات بالحفاظ على انخفاض الأجور. وهذا أيضاً يعني أرباحاً أكثر، وواشنطن مسؤولة بشكل جزئي عن هذا أيضاً.

فقد رُفضت المبادرات التي يمكن أن تقلل من البطالة، مثل الاستثمار في البنية التحتية الأميركية المتداعية، وتأسيس إدارة لمشاريع أشغال جديدة أو هيئة صيانة مدنية، لتوظيف العاطلين عن العمل على المدى الطويل.

والسبب الثالث، هو أن العولمة تدر الأرباح على الشركات الكبرى، ولكن ليس على الأميركيين العاديين.

فالشركات العالمية التي تتخذ من الولايات المتحدة مقراً لها، تتوسع وتوظف العمالة في آسيا وأميركا اللاتينية، حيث الأسواق تشهد النمو الأسرع، حتى في ظل تقليصها لفرص عملها وأجورها في الداخل.

وقد ساهمت واشنطن في هذا أيضاً، بمحاباة القواعد الضريبية والسياسات التجارية، لتعهيد الوظائف للخارج، وشجعت الشركات على مراكمة أرباحها خارج الولايات المتحدة.

وأخيراً، فإن سياسات الأموال السهلة المتبناة من قبل مجلس الاحتياطي الفيدرالي، دفعت المستثمرين إلى سوق الأوراق المالية، لأن عائدات السندات منخفضة للغاية، وقد عزز هذا أيضاً صعود سوق الأسهم.

وهذا كله يوسع فجوة التفاوت في أميركا، فالأشخاص الذين يستثمرون بدرجة أكبر في سوق الأسهم يتمتعون بارتفاع دخولهم، والذين يعتمدون بدرجة أكبر على أجورهم يعانون من انخفاض دخولهم. وتستحوذ أرباح الشركات على أكبر نسبة من الدخل القومي منذ 60 عاماً، بينما نسبة إجمالي الدخل التي تذهب للموظفين، تقترب من أدنى مستوى لها منذ 1966.

وكما وجد زميلي إيمانويل سايز أخيراً، فقد ذهبت جميع المكاسب الاقتصادية المتحققة في الفترة بين عامي 2009 و2011 (وهي آخر سنة تتوفر بيانات عنها)، إلى أغنى 1% من الأميركيين، فيما واصل الـ99% المتبقون تراجعهم. ومع ذلك، فإن قانون الضرائب لا يزال يعطي الأفضلية لمكاسب رأس المال على الدخل العادي، وهو ما يمثل ميزة كبيرة بالنسبة للمستثمرين، ولكن ليس للأشخاص الذين يعتمدون على رواتبهم للعيش.

وخلال الأشهر المقبلة، يرجح للمصادرة أن تزيد الأمور سوءاً، نظراً لأنها ستبطئ عجلة الاقتصاد الأميركي وتبقي معدل البطالة أعلى منه من دونها.

إنها تضر أيضاً بالأشخاص الأكثر ضعفاً بيننا، متسببة في إلغاء إعانات الإيجار المخصصة لذوي الدخل المنخفض وملاجئ الطوارئ المخصصة للمشردين، وخفض إعانات البطالة، وتقليص المساعدات الفيدرالية المقدمة للمدارس الفقيرة، وتحجيم المساعدات الغذائية المقدمة للنساء الفقيرات وأطفالهن الرضع.

إن صحة اقتصاد دولة ما، لا تقاس بأرباح الشركات التي تتخذ من تلك الدولة مقراً لها أو بقيمة سوق أسهمها، ولكنها تعتمد على نسبة أبناء شعبها الذين لديهم وظائف، وعلى ما إذا كانت تلك الوظائف تقدم أجوراً لائقة، وعلى ما يحدث لأولئك الذين ليست لديهم وظائف أو لا تنتشلهم أجورهم من براثن الفقر.

واستناداً إلى هذا المقياس، فإن أميركا لا تزال بعيدة جداً عن الصحة الاقتصادية. وينبغي أن يتمثل دور الحكومة، في تلك الأثناء، في تسوية أرضية الملعب، حتى يجد الأشخاص الذين يعملون بجد فرصة عادلة.

ومع ذلك، فإننا، منذ قرن من الزمن، لم نشهد سياسات عامة تساعد الأشخاص الأكثر حظاً بهذا الشكل الصارخ، وتؤذي الأشخاص الأقل حظاً بهذه القسوة، وتعرض العديد من الأميركيين العاملين العاديين لهذا النطاق الواسع من انعدام الأمن.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات