الصحافة البريطانية تلفّق الروايات

"ترّهات منافية للمنطق"، إنها العبارة الأفضل التي تصف المشاعر التي تثيرها لديّ الروايات - وأشدّد على كلمة "روايات" - التي تنشرها الصحف الصفراء البريطانية على خلفية إدانة ثلاثة بريطانيين بتهمة حيازة كيلوغرام من الحشيش المصنَّع.

أدعو الإعلام البريطاني إلى التريّث قبل أن يزبد ويرغي حول روايات ليست أكثر من مجرّد إشاعات مغرضة.

لطالما كانت بريطانيا صديقة مقرّبة للإمارات العربية المتحدة، وقد جمعتهما علاقات يسودها الاحترام المتبادل، وتستمرّ هذه العلاقات حتى يومنا هذا.

لكننا نشعر بأن الصحف البريطانية يسيل لعابها عند أية فرصة سانحة للانقضاض على الإمارات، ولا سيما دبي.

تُصوّر الصحف البريطانية مثل "الغارديان" و"الإندبندنت" و"الميرور" و"الدايلي ميل"، دبي وكأنها دولة بوليسية متسلطة، وتزعم، إن كان هناك من سذّج يصدّقون، أننا نتعرّض نحن الذين نعتبر أنفسنا محظوظين بالعيش في هذا البلد، للمعاناة عبر إشهار السلاح في وجهنا وإرغامنا على مشاهدة عمليات اعتداء.

كانت هذه الاتّهامات لتضحكنا فعلاً لو أنها لا تلحق الضرر بسمعة دبي. أشكّ في أن يصدّق أحدّ ممن يعيشون هنا كلمة واحدة من هذه الادّعاءات.

لقد حصلت تلك الصحف على معلوماتها من عائلات البريطانيين الثلاثة التي يبدو أنها تستمتع بالأضواء التي تُسلَّط عليها وتريد استغلال هذه الشهرة التي هبطت عليها فجأة.

لماذا دبي هي دائماً من الأهداف المفضَّلة التي يتم التصويب عليها؟ لعل الجواب يكمن في المقولة التي وردت على لسان الكاتب المسرحي اليوناني أسخيليوس قبل أكثر من 2500 عام "قلّة نادرة من الرجال تُكرِّم من دون حسد صديقاً ناجحاً". لقد كان على الإعلام البريطاني أن يبتلع قناعاته عندما أحبطت دبي توقّعاته ولم تغرق في الرمال بعد الأزمة الاقتصادية العالمية في العام 2008، واليوم يحاول منتشياً تشويه سمعة الإمارة.

الادّعاءات الأبرز وردت على لسان والدة غرانت كاميرون التي تزعم أن صديق ابنها، كارل ويليامز "مُدِّد على السرير (في غرفة فندق)، ونُزع سرواله وتعرّض لصدمات كهربائية في أعضاء حساسة من جسده فيما كان معصوب العينين"، قبل أن تضيف بأنه "تم شهر السلاح في وجههم جميعاً"، وقيل لهم إنهم سيموتون.

 نشعر وكأننا في غوانتانامو! تنقل صحيفة "الدايلي ميل" عن الوالدة قولها بأنها تشعر ببهجة عارمة لأن الحكم الذي صدر بحقهم يقتصر على السجن لمدّة أربع سنوات إذ "كان يمكن أن يواجهوا عقوبة الإعدام"، وهذا مجرد هراء، فعقوبة حيازة المخدرات هي عادةً السجن لمدّة أربع سنوات في حين تصل عقوبة التهريب بهدف التوزيع إلى السجن لمدّة عشر سنوات.

يقول شقيق سونيت جيره: إن شقيقه "محطَّم" ولم يرتكب أي خطأ "ما عدا استئجار سيارة في العطلة".

إذا كان هذا صحيحاً، ننصح السيّاح بأن يستقلّوا الحافلة أو المترو، ففي حال قرّروا استئجار سيّارة قد يقعون على واحدة خبّأت فيها عصابات المخدّرات موادّ غير مشروعة. يا لها من سخافة!

لسوء الحظ، لقد انجرّف رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون خلف الجموح الإعلامي، معرباً عن "قلقه" مما يُحكى عن تعرّض البريطانيين الثلاثة للتعذيب، ننصح كاميرون بوضع الصحف البريطانية جانباً والتدقيق جيداً في ملابسات هذه القضية.

أولاً، لقد نفت شرطة دبي بشدّة الإقدام على أي من هذه الادعاءات، وهو كلام يتمتّع بمصداقية عالية لأن المسؤولين عن إنفاذ القوانين في دبي يتقيّدون حرفياً بالقواعد المرعية الإجراء، ويُعرَف عنهم أيضاً بأنهم يعاملون المتّهمين معاملة لائقة.

تكفي زيارة أحد السجون التي يُحتجَز فيها تجّار المخدرات للحصول على دليل قاطع بأن دبي تتعامل برأفة حتى مع أسوأ المجرمين.

ثانياً، أوردت صحيفة "غلف نيوز" الإماراتية أن "سجلات المحكمة لا تأتي على ذكر التعذيب وانتزاع الاعترافات بالقوة، كما زعم البريطانيون الثلاثة".

ثالثاً، والأهم، كشف محامي الدفاع عن سونيت جيره لصحيفة "غلف نيوز" أن "المدّعى عليهم لم يشتكوا من تعرّضهم للتعذيب خلال مراحل التحقيق. لم يذكروا شيئاً أمام الشرطة أو المدّعين العامين أو القاضي.

فضلاً عن ذلك، عندما استجوبهم قاضي التحقيق، لم تظهر على أجسادهم أية إصابات أو علامات تشير إلى تعرّضهم للتعذيب. لم يطلب أيٌّ منهم معاينته طبياً". وكان له تعليق في محلّه "عادةً ما يعمد أي محقّق إلى تعذيب المدّعى عليه لإرغامه على الاعتراف.

لكن في هذه الحالة، أنكر الثلاثة الاتّهامات الموجّهة إليهم أمام الشرطة والمدّعين العامين. وهذا دليل قاطع على أنهم لم يتعرّضوا للتعذيب، لأنهم لو تعرّضوا للتعذيب، لاعترفوا ولم ينكروا الاتهامات المنسوبة إليهم".

يُقيم نحو 240 ألف بريطاني في الإمارات، وقد جاؤوا إلى هنا للعمل في بيئة خالية من الضرائب أو التقاعد في بلد مشمس مستفيدين من الاستقرار الأمني والبنى التحتية الفائقة الجودة والتنوّع الثقافي في أجواء يسودها الانسجام والتناغم، فضلاً عن المرافق والخدمات الكثيرة التي تشتهر بلادنا بتوفيرها.

وهم سعداء وناجحون بشكل عام، ويرغب كثر منهم في أن يستقروا هنا بصورة نهائية.

الإمارات هي وطنهم الثاني. يتعلّم أولادهم على المقاعد الدراسية نفسها مع أولادنا، وعدد كبير منهم يقصدون مدارس إنجليزية؛ وغالباً ما يردّدون أنه البلد الأفضل في العالم لتربية الأولاد، حيث يستطيع الأهل أن يشعروا بالطمأنينة لأنه لن يكون هناك تجّار مخدرات يتربّصون بأبنائهم خارج بوّابات المدارس.

بإمكان الآخرين أن ينتقدوا قدر ما يشاؤون القوانين الصارمة التي تطبّقها الإمارات لضبط المخدرات، لكننا لن نعتذر على حزمنا في التعامل مع تجّار السم، لا بل الموت في بعض الأحيان. لن نسمح أبداً بتدمير حياة شبابنا أو أبناء الجاليات الاغترابية لمجرّد إرضاء الليبراليين الغربيين الذين يعرفون جيداً القواعد المطبّقة في بلادنا قبل قدومهم إليها.

من يرغب في تعاطي المخدرات، فليفعل ذلك في بلاده، ولا مكان له هنا بيننا. أعلن ديفيد كاميرون مؤخراً أن الحكومة البريطانية لن تتغاضى عن كل من تُسوِّل له نفسه بأن "يهدّد حياتنا وأمننا". إنه محق، لكن لماذا يطبّق الحاقدون في الإعلام البريطاني معايير مزدوجة، ويتوقّعون منّا ما هو أقل من ذلك؟

تعليقات

تعليقات