خدعة «إصلاح الاستحقاقات» الأميركية

أصبح أمرا مقبولا باعتباره حكمة اقتصادية، أن الطريقة الوحيدة للسيطرة على العجوزات الوشيكة في الميزانية الأميركية، هي "إصلاح الاستحقاقات"، غير أن هذه الحكمة المقبولة خطأ لا مجال للتشكيك فيها.

لقد عرض الجمهوريون بيانات في الميزانية الاتحادية، توضح زيادة نسبتها 32٪ في المدفوعات المباشرة للأفراد منذ بداية 2009، بما في ذلك قسائم الطعام والتأمين ضد البطالة، وتعويض العاملين، والإسكان المدعوم. ولكن هذه النفقات مؤقتة، وقد نجمت عن أعمق تراجع اقتصادي منذ الكساد الكبير، والذي أرغم كثيرا من العائلات على اللجوء إلى الحكومة طلبا للعون.

ماذا عن الضمان الاجتماعي وبرنامج ميديكير جنبا إلى جنب مع برنامج ميديك إيد؟ لن يسهم الضمان الاجتماعي في العجوزات المستقبلية في الموازنة، ذلك أنه بمقتضى القانون لا يمكن للضمان الاجتماعي إلا أن ينفق مالاً مستمدا من الصندوق التابع له، وهذا الصندوق حقق فائضا على امتداد الجزء الأكبر من عقدين من الزمن، حيث دفع مواليد الستينات أموالا له طوال حياتهم العملية، والآن وقد بدأوا في التقاعد، فإن هذه الفوائض تختفي حاليا.

ولكن هذا يعني فحسب أن الصندوق سيجمع من باقي الحكومة الاتحادية ما يستحق له عن الفوائض التي أقرضها لباقي الحكومة، وهذا يترك الصندوق في مواجهة عجز بعد عقدين من الآن.

ومع ذلك، فإن أفضل طريقة للتعامل مع هذا ليست رفع سن استحقاق تلقي منافع الضمان الاجتماعي، على نحو ما يطالب به كثير من مصلحي الاستحقاقات، فهذا من شأنه أن يلقي عبئا غير عادي على كاهل العاملين الذين تبدأ أجسام معظمهم في التراجع صحيا عندما يصلون إلى أواخر الستينات من أعمارهم، رغم أنهم يعيشون أعمارا أطول.

وهذا ليس لتقليل تعديلات تكلفة الحياة مع نسبة التضخم، على نحو ما يبدو أن البيت الأبيض على استعداد لاقتراحه في الشهور المقبلة. وتعد منافع الضمان الاجتماعي متواضعة بالفعل بالنسبة لمعظم متلقيها، فمتوسط دخل الأميركيين الذين تزيد أعمارهم على 65 عاما، أقل من 220 ألف دولار سنويا، ويعتمد نحو 70٪ منهم على الضمان الاجتماعي بالنسبة لما يزيد عن نصف هذا الدخل.

وإلى جانب ذلك، فإن التعديل الحالي مع نسبة التضخم من جانب الضمان الاجتماعي، يقلل التأثير الحقيقي للتضخم على متلقي الاستحقاقات من كبار السن، الذين ينفقون أكثر من أي شخص آخر على الرعاية الصحية، التي مضت تكاليفها ترتفع بمعدل أسرع من ارتفاع التضخم الإجمالي.

وهذا يترك إمكانيتين نادرا ما يشير إليهما "مصلحو الاستحقاقات" إذا أشاروا إليهما أصلا، ولكنهما هما البديلان العادلان فقط. وهما رفع السقف على الدخل الذي يخضع لضرائب الضمان الاجتماعي (في عام 2013 ارتفع هذا السقف إلى 113.700 دولار)، وكذلك فوائد اختبار الإمكانيات بحيث يتلقى المتقاعدون الأثرياء ما هو أقل، وهاتان الإمكانيتان ينبغي النظر فيهما كلتيهما.

ما الذي يبقى لإصلاحه؟ إن تكاليف ميديكير وميديك إيد معرضة للارتفاع بشدة، ولكن هنا أيضا يتعين عليك أن تلقي نظرة عن كثب، وسوف ترى أن أيا منهما ليس مشكلة. والمشكلة الكامنة هي التكلفة الآخذة في الارتفاع بشدة لإجمالي الرعاية الصحية، جنبا إلى جنب مع إيغال جيل مواليد الستينات في العمر.

والحل ليس تقليل استحقاقات ميديكير، فأميركا يتعين عليها احتواء التكاليف الإجمالية للرعاية الصحية، والحصول على المزيد من أجل دولاراتها المخصصة للرعاية الصحية. إن الأميركيين ينفقون بالفعل حوالي 18٪ من اقتصادهم بكامله على الرعاية الصحية، مقارنة بمتوسط 9.6٪ في كل الدول الغنية الأخرى، ومع ذلك، فإننا لسنا أكثر صحة من مواطني تلك الدول.

وحقيقة الأمر أن العمر المتوقع للأميركيين لدى الميلاد (وهو 78.2 سنة)، أقصر من العمر المتوقع لأبناء هذه الدول (والذي يصل متوسطه إلى 79.5 سنة)، ومعدل وفيات الأطفال الرضع في أميركا (وهو 6.5 لكل ألف طفل وليد)، أعلى من نظيره في تلك الدول (والذي يصل إلى 4.4 لكل ألف طفل وليد).

ويرجع ذلك إلى أن الأطباء والمستشفيات في الولايات المتحدة، لديهم كل الدوافع للإنفاق على اختبارات الأدوية وعمليات غير ضرورية للعلاج. ويقدر أن 30٪ من إجمالي الإنفاق على الرعاية الطبية في الولايات المتحدة، هو تبديد بحت، بحسب معهد الطب الأميركي.

وينفق نظام الرعاية الصحية في أميركا، مبالغ طائلة على جمع المال من أجزاء مختلفة من كيانه، فالأطباء يجمعون المال من المستشفيات والقائمين على التأمين الصحي، والمستشفيات تجمع من القائمين تأمينا صحيا، وهؤلاء بدورهم يجمعون المال من الشركات أو من حاملي بوالص التأمين.

وهناك فئة وظيفية بارزة في معظم المستشفيات، تتمثل في "كتبة الفواتير"، ونصف عدد ساعات التمريض يكرس لتوثيق ما حدث، بحيث يكون لدى القائمين على التأمين دليل على ما جرى.

وترويض العجوزات المستقبلية، لا يتطلب الحد من النمو الإجمالي في نفقات الرعاية الطبية فحسب، وإنما يقتضي أيضا تخفيض عدد العاملين في المؤسسة العسكرية الأميركية، ووضع نهاية لرفاهية الشركات (الإعفاءات الضريبية وأوجه الدعم الموجهة إلى شركات وصناعات بعينها).

إن "إصلاح الاستحقاق" يشوشنا، ويبعد أنظارنا عن هذه الخطوات الأكثر أهمية.

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات