أطفال أميركا في الحلقة الجهنمية

يبدو أن أطفال أميركا يجردون من حقوقهم في ما يتعلق بكل قضية تقريباً نواجهها كمجتمع، إذ إننا لا نقصر في حماية أطفالنا من الأشخاص المختلين الحاملين لبنادق نصف آلية فحسب، ولكننا أيضا لا نحميهم من الفقر. ويواصل معدل الفقر بين الأطفال ارتفاعه، بشكل أسرع مما يرتفع بين البالغين، وقد بات لدينا الآن أعلى معدل للفقر بين الأطفال على مستوى العالم المتقدم.

ونحن لا نحمي صحتهم، إذ تستمر معدلات الإصابة بالسكري والربو بين الأطفال في الصعود. ولدى أميركا ثالث أسوأ معدل لوفيات الأطفال الرضع بين 30 دولة صناعية، وثاني أعلى معدل للحمل بين المراهقات، بعد المكسيك.

وفي حال وصلنا إلى "الهاوية المالية" دون التوصل إلى اتفاق على الميزانية، فإن العديد من البرامج التي تركز على رفاه الأطفال ستلغى، بما في ذلك التعليم، وتغذية الأطفال، ووجبات الغداء في المدارس، وصحة الأطفال، وبرنامج "هيد ستارت". وحتى لو تجنبنا الهاوية، فإن أي "صفقة كبرى" لترويض العجز ستعرض، على الأرجح، تلك البرامج للخطر.

ويتوقع معهد الدراسات الحضرية لنسبة الإنفاق الفيدرالي على الأطفال (المصاريف والنفقات الضريبية)، أن تهبط من 15% في العام الماضي إلى 12% في عام 2022. وفي الوقت نفسه، فإن الولايات والمناطق تعمد إلى اختزال برامج ما قبل المدرسة وما بعدها، ورعاية الأطفال، وخدمات الأسرة والترفيه والصحة النفسية.

لماذا؟ يريد المحافظون إلقاء اللوم على الآباء لعدم قيامهم بواجبهم، ولكن هذا التصرف لا يأخذ السياسة بعين الاعتبار.

فالرابطة الوطنية للبنادق، على سبيل المثال، تعد إحدى أقوى جماعات الضغط في أميركا، وهي في الحقيقة قوية للغاية إلى درجة أن قادتنا نادرا ما يتحلون بالشجاعة الكافية للتفوه بعبارة "مراقبة السلاح".

وقليلون هم الذين يتقدمون، بعد مذبحة كتلك التي شهدتها كونيتيكت، للإشارة إلى أننا ربما نستطيع أن نصعب قليلا حصول المصابين بأمراض عقلية على أسلحة هجومية. ولكن جماعة الضغط تلك والشركات المصنعة للأسلحة، تعول بشكل روتيني على قصر مدى انتباه أميركا (ووسائل الإعلام) لمنع حتى أكثر الإصلاحات تواضعا.

والجمعية الأميركية للمتقاعدين هي الأخرى من أقوى جماعات الضغط، لا سيما عندما يتعلق الأمر بالحفاظ على البرامج التي تعود بالفائدة على كبار السن. ولا ينبغي أن يتعين علينا الاختيار بين مسنينا وأطفالنا، فالأجدر بنا أن نركز على الوظائف والنمو، بدلا من التركيز على خفض العجز، ونبادر بتقليص رعاية الشركات والإنفاق الدفاعي قبل أي شيء آخر. ولكن الحقيقة المرة، هي أن كبار السن يكون لهم نفوذ سياسي له أهميته عندما يتم خفض الإنفاق، أما الأطفال فلا.

وفي الوقت ذاته، فإن أصحاب الشركات الكبرى والأثرياء، يعرفون كيف يحصلون ويحافظون على التخفيضات الضريبية، التي تحرم الميزانيات الاتحادية وميزانيات الولايات من العائدات اللازمة لتمويل ما يحتاجه أطفالنا. كما تعمل الشركات بشكل منهجي، على تحريض ولاية أو مدينة ما ضد أخرى، لغرض إبقاء الامتيازات الضريبية والإعانات أو نقلها إلى مكان آخر، مقلصة بذلك الإيرادات المتوفرة للتعليم والصحة والترفيه وخدمات الأسرة والصحة النفسية.

وفي غضون ذلك، فإن المعلنين والمروجين للأطعمة غير الصحية وألعاب الفيديو العنيفة، يتمتعون بالثقل السياسي اللازم لدرء القوانين المصممة لحماية الأطفال من نهبهم. والنتيجة هي انتشار وبائي لمرض السكري بين الأطفال، إلى جانب فوضى الفيديو التي يمكن أن تضر بالعقول الشابة.

ولا يمكن لمعظم الآباء حماية أطفالهم من ذلك كله، فهم يبذلون قصارى جهدهم لدفع الفواتير، إذ يستمر متوسط الأجور في الهبوط (مع أخذ التضخم بعين الاعتبار)، وتتلاشى الفوائد، وينعدم الأمن الوظيفي، وحتى ساعات العمل تقل إمكانية التنبؤ بها.

ويبدو أن كل مصلحة كبرى لها نفوذ سياسي، عدا الأطفال. فهم لا يستطيعون التصويت، ولا يقدمون تبرعات كبرى للحملات الانتخابية، وهم لا يستطيعون توظيف أساطيل من جماعات الضغط. ومع ذلك، فإنهم يمثلون مستقبل أميركا.

وفي حين أن آباءهم وأجدادهم يكترثون لأمرهم، بطبيعة الحال، كما يفعل العديد من المواطنين الخاصين الآخرين، فإننا لا نضاهي المصالح الراسخة التي تسيطر على الحياة السياسية الأميركية.

وسواء أكان الأمر يتعلق بالنضال من أجل تنظيم معقول لاستخدام الأسلحة وصحة الأطفال والسلامة العامة، أو بتحسين المدارس وخدمات الأسرة، فإننا لن نحظى بمعركة عادلة، طالما أن أموال المصالح الخاصة تواصل تسميم حياتنا السياسية.

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات