أميركا والمشكلة الهيكلية

يتنفس البيت الأبيض الصعداء الآن إلى حد ما، فقد كان أداء الرئيس الأميركي في المساجلة الأولى مع منافسه الجمهوري سيئا بما فيه الكفاية، ولو أنه قد أعقبه تقرير وظائف سيئ لكانت فرص الرئيس الأميركي في إعادة انتخابه قد هوت إلى الحضيض.

وبتعبير آخر، فإننا بالكاد نزحف خارجين من النفق العميق الذي تردينا فيه في عامي 2008 و 2009. ونسبة السكان الذين هم في سن العمل، ويعملون الآن أو يحاولون بصورة نشطة البحث عن عمل، إلى مما كانت عليه من قبل ولكنها تظل قريبة من الأكثر انخفاضا على مدار 30 عاما.

ونحن أفضل حالاً عما كنا عليه عند تردينا في هوة الركود، ولكن الأدلة تتجمع على ان الاقتصاد الأميركي قد وصل إلى مرحلة الجمود، وقد نما بمعدل لا يتجاوز 1.3% في الفترة من أبريل إلى يونيو الماضيين بحسب أحدث البيانات التي أصدرتها وزارة التجارة، وذلك نزولاً عن 3% في الربع الأول من العام الجاري.

لقد ارتفع الإنفاق الاستهلاكي بنسبة عشر الواحد في المئة في اغسطس الماضي بعد المواءمة مع اللاتضخم، وانخفضت الطلبيات من السلع المعمرة بنسبة 13%، ولأن الدخول قد نمت بشكل أقل من الإنفاق، فإن معدل الادخار قد هبط إلى أدنى معدل منذ أبريل الماضي.

يقول المستهلكون إنهم أكثر ثقة فيما يتعلق بالمستقبل، ولكن الواقع المثير للقلق هو أن الأجور تواصل انخفاضها.

إذا شئنا التعبير عن الأمر بشكل بسيط، لقلنا إن أميركا لا تزال في نطالق جاذبية الركود الكبير، ويرجع ذلك إلى أن الانفاق الاستهلاكي يشكل 70% من النشاط الاقتصادي، وطبقة أميركا الوسطى الكبيرة لا تزال بعيدة عن أن يتوافر لها ما يكفي من المال لإعادة الاقتصاد إلى مساره (ينفق الأثرياء نسبة أصغر كثيرا من دخولهم ومدخراتهم تجوب أرجاء العالم وصولاً إلى المكان الذي تحصل فيه على أعلى عائد ممكن).

الأمر الأكثر من ذلك أن باقي العالم لا يتعاون مع أميركا، فالجانب الأعظم من أوروبا يعاني من الركود لأنه ابتلع "التقشف"، واليابان لا تزال على جمودها، والصين تتباطأ بصورة كبيرة.

ويقول حاكم ولاية ماساشوستس السابق ميت رومني إننا لا نحسن صنعا بما فيه الكفاية وهو محق في ذلك، ولكن الوصفة العلاجية التي يقدمها- وهي المزيد من التخفيضات في الضرائب للأغنياء والشركات الكبيرة- من شأنها أن تكون كارثية، فالتخفيضات التي يقترحها في الاستثمارات العامة مثل التعليم والبنية الأساسية وشبكات الضمان الاجتماعي مثل "ميديك إيد" سوف تأخذ المال من جيوب الناس الذين لا يحتاجونه بصورة يائسة فحسب، ولكن الذين يعد إنفاقهم ضروريا للغاية أيضا.

من شأن اقتصاديات رومني التي تشبه اقتصاديات روبن هود في وضعية معكوسة، أن تؤدي إلى انكماش الطبقة الوسطى بصورة أكبر وإلقاء عبء هائل على كاهل الفقراء.

ولكن سياسات أوباما الاقتصادية التي يقول إنه يود أن يتبعها في فترة رئاسته الثانية ليست كبيرة ولا جريئة بما فيه الكفاية لتحقيق المستهدف منها.

وقد ظل متوسط الأجر ثابتا في وضعية حيادية على امتداد عقود من الزمن، فمنذ ثمانينات القرن الماضي مضت كل المكاسب من النمو الاقتصادي إلى الشريحة السكانية العليا في أميركا.

وتم إخفاء ركود أجور أبناء الطبقة الوسطى أولاً من خلال قناع يتمثل في توجه ملايين من النساء المنتميات إلى هذه الطبقة إلى ميدان العمل مدفوع اِلأجر، وهكذا فقد قمنا بدعم دخول العائلات، ثم تم إخفاؤه أيضا من خلال قيام العائلات بالاقتراض بصورة مكثفة بضمان القيم المرتفعة للمنازل.

وقد نزعت الفقاعة التي انفجرت في عام 2008 القناعين كليهما، والاقتصاد الأميركي لا يمكن أن يعرف الانتعاش بصورة كاملة إلا بعد أن يحصل أبناء الطبقة المتوسطة والفقراء الذين يتطلعون إلى اللحاق بهم على ما يكفي من الدخل لتحريكه، ولكي يحدث هذا، فإنهم سيحتاجون إلى نصيب أكبر من مكاسب النمو الاقتصادي.

يفترض معظم الناس أن الانتعاش سيستمر حتى وإن كان بمعدل بطيء، وأننا عند منعطف، متى سوف نعود إلى الحالة العادية، ولكنني لست متأكدا على الإطلاق من ذلك، حيث إن "العادي" هو في المقام الأول الذي ورطنا فيما نتردى فيه.

لقد سلب تركيز الدخل والثروة في أيدي الشريحة العليا من المجتمع الأميركي الطبقة الوسطى الأميركية القوة الشرائية التي تحتاجها لتوليد انتعاش كامل، وهو شيء تم إخفاؤه من خلال الاقتراض بضمان القيم المتزايدة للمنازل، لكن لم يعد بالوسع إنكاره.

وما لم يتم التعامل مع هذه المشكلة الهيكلية فإننا لن نعود حتى إلى الوضع العادي. وعلى الأقل فإنه إذا أعيد انتخاب أوباما كان إلى جانبه كونغرس متعاون، فإنه ستتاح له فرصة لمعالجة هذه المشكلة الهيكلية، أما إذا انتخب رومني فإنه سيجعلها أكثر سوءاً.

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات