نجحنا.. ولم ينجح أحد!

ت + ت - الحجم الطبيعي

عندما أنهينا المرحلة الثانوية انهمك المذيعون في قراءة قوائم الأسماء الطويلة، منذ الصباح وحتى المساء، بينما صدحت الأغنيات، وتم توزيع زجاجات الكولا والسفن أب على «الجيران»، وكم ضحكنا ملء قلوبنا على تلك العبارة، التي رددها المذيعون (مدرسة كذا.. لم ينجح أحد)، كنا ننظر لبعضنا البعض باستغراب ودهشة قبل أن ندخل في نوبة ضحك هستيرية، متسائلين: كيف؟ هل يعقل أن مدرسة كاملة لم ينجح فيها أحد؟

ثم مرت سنوات وعملنا في المدارس، وعرفنا أن هناك مناطق نائية وجبلية، ولا يوجد فيها سوى عدد بسيط من الناس، في الإمارات، وفي هذه المناطق توجد مدرسة واحدة، ربما تضم كل المراحل، وقد يكون هناك طالب أو طالبان فقط من تقدم للثانوية، يومها اكتشفنا أن فهم الحقيقة ومعرفة تفاصيل الصورة تحتاج لبعض الوقت وللتمهل، وأن الحكم على الأشياء يجب ألا يعتمد على ظاهر الكلام.

عندما ذهبنا للجامعة، لم نكن نعرف أي شيء عن هذا العالم، نحن أبناء أمهاتنا، حيث كانت المدرسة أكبر فضاء إنساني تحركنا فيه، بعد منزل الأسرة وبيوت العائلة، وكانت كل حركتنا في الإمارة نفسها، التي لم نتركها يومها، لنكون في مكان آخر إلا بصحبة الأسرة. في الجامعة، وفي مدينة العين تحديداً، في السكنات الداخلية، كانت الاكتشافات الجديدة، التي انهمرت علينا، وكونت رؤانا الأخرى والمغايرة عن كل ما عرفناه سابقاً، في جامعة الإمارات: الجامعة الوطنية، التي جمعت كل أبناء وبنات الإمارات، وصنعت واقعاً آخر للمجتمع.

عندما ذهبنا لم يكن الكثير منا يدرون على وجه الدقة التخصصات، التي تناسبهم، والتي يودون دخولها، استغرق الأمر منهم تغييراً وتبديلاً وضياعاً للوقت، لكنها المعرفة لا تتكون للمرء بسهولة، أما اليوم وأنا أرى مراهقي العائلة يبحثون في الإنترنت عن أفضل الجامعات، التي تطرح التخصصات، التي يفكرون فيها، بينما لا يزال أمامهم وقت للتخرج، فإنني أشعر أن التغيير كبير جداً، لكنه بقدر ما فيه من الأمور المقلقة، إلا أن شواهد كثيرة تدفع للأمل والاطمئنان.

طباعة Email