محفوظ.. ويده التي لا تكتب!

ت + ت - الحجم الطبيعي

الكاتب المصري د. زكي سالم كان أحد الجلساء القدامى والتاريخيين الملازمين للأديب الراحل نجيب محفوظ، حتى إنه في الأيام التي تراجعت فيها قدرته على استخدام يده في الكتابة كان د. سالم من الأشخاص الذين كتبوا بعض ما كان يمليه عليه محفوظ، بعد أن ذكر بأن مجلة (نصف الدنيا) قد أعادت له مجموعة من الكتابات لم يتمكن المحررون من قراءتها، بسبب رداءة الخط الذي كتبت به!

يذكر د. زكي سالم، ملابسات هذا الحال الذي آل إليه أديب نوبل الكبير فيقول: «لقد تعرض أستاذنا العظيم يوم الجمعة 14/10/1994 لمحاولة اغتيال، بيد أن المولى كتب له النجاة، هذا الحادث البشع لم يؤثر في روح نجيب محفوظ الخلاقة، ولكنه أثر بشدة في يده اليمنى التي خطت أروع الأعمال الأدبية، فقام بتدريب يده اليسرى على الكتابة، ولكنه فضل في النهاية إعادة تدريب يده اليمنى..».

لقد رفض محفوظ لفترة طويلة عروض أصدقائه بأن يقوموا بالكتابة نيابة عنه، فقد كان كأي مبدع لديه طقوسه الخاصة، وفهمه العميق لتلك العملية المعقدة: عملية التفكير التي تنتج تلك النصوص الإبداعية، إن تلك العملية الدقيقة جداً قد تكونت عبر عقود من الكتابة، وليس من السهل القبول بتفكيكها هكذا وتغييرها تماماً، واستبدال يد الكاتب بأياد أخرى لا علاقة تربطها عصبياً أو جسدياً بذهن الكاتب وعوالمه المختلفة.

لقد بدا محفوظ في تلك الفترة وهو ينجز (أحلام فترة النقاهة) و(أصداء السيرة الذاتية)، مرتبكاً إزاء هذه الحالة الصعبة، إلا أنه كان يعلم أن لا خيار آخر.

لقد تأكد لمحفوظ أن يده لم تعد قادرة على الكتابة كما كانت، والناشرون ما عادوا قادرين على قراءة خطه، ولذلك ما كان أمامه سوى أن يكتب ويحفظ ما كان يريد إملاءه على الأشخاص الذين ائتمنهم على إبداعه في ذهنه كلمة كلمة وجملة جملة حتى تكتمل في رأسه ويظل يرددها وهو جالس وحده. كانت تلك واحدة من تجليات عبقرية رجل أكمل سبعين عاماً وهو يكتب بدون توقف!

 

طباعة Email