أين ذهب الشغف؟

ت + ت - الحجم الطبيعي

أقول لصديقتي: إنني في أحيان كثيرة أؤجل القراءة لوقت متأخر في المساء، حتى ينتهي ضجيج العالم، ينام أهلي، تطفأ أنوار المداخل وغرف الجلوس، وحتى أضواء الشارع، يتوقف ضجيج الهواتف النقالة، وأصوات مرور السيارات في الطريق أمام منزلنا، ينتهي الفيلم الأجنبي الذي أشاهده للمرة الثالثة، لأنني كسولة عن الذهاب للسينما، وحين يأتي وقت القراءة المنتظر، الذي يشبه ملمس الحرير ورائحة الزنبق، أجدني أنزلق متعبة إلى سريري، أشد الغطاء وأذهب في النوم، ومرة أخرى، أؤجل القراءة لوقت آخر!

تقول صديقتي التي تعشق القراءة هي الأخرى، وكسولة بما يكفي لتأجيلها مثلي: في الحقيقة، نحن نؤجل القراءة، ليقيننا بأن الوقت متوافر لنا دوماً، وبأننا سنجد ما يكفي منه لنقرأ ما نريد في الغد!

أقول لصديقتي: حين كنت صغيرة جداً، في أول المراهقة، وبدايات الشغف بكل شيء، كنا نشتري كتباً قليلة جداً مما ندخره من مصروف المدرسة، أنا كنت آخذ نقوداً إضافية من جدتي خلسة، دون علم أمي، حتى إن أول كتاب اشتريته في حياتي وأنا في الصف الخامس، كنت بصحبة جدتي - رحمها الله - وهي من دفع ثمنه، كنت أقف بقامتي الصغيرة، أمام رفوف مكتبة في ميدان جمال عبد الناصر بدبي، محدقة بدهشة، ومتسائلة كيف يمكنني امتلاك كل هذه الكتب؟ هل يمكن أن يحدث هذا يوماً؟ كان الأمر يبدو كحلم مستحيل! وحين تحقق، صرت أسأل، كيف يمكنني امتلاك الوقت الكافي لقراءتها!!

أقول لصديقتي: في الثالث الإعدادي أنهيت الجزء الأول من رائعة ديستويفسكي (الإخوة كرامازوف)، التي لا أتذكر منها شيئاً الآن، ولأنني لم أكن أملك ما يكفي من النقود، فإنني لم أشترِ الجزء الثاني، ولم أقرأه حتى اليوم، رغم أنني اليوم اشتريت الجزأين، ومعظم الأدب الروسي. في صغرنا، كنا نقرأ لأننا كنا شغوفين بالقراءة، مسحورين بالروايات وأجوائها. عن نفسي، كنت أشعر بأنني حين أبدأ بقراءة رواية جديدة، كنت أرتدي ثيابي، وأحمل حقيبتي وألعابي، وأدخل في الرواية، ولا أخرج منها حتى أرى كلمة (انتهت)، هكذا قرأت رواية (الأرض الطيبة)، و(البؤساء) و(أحدب نوتردام)، و(لمن تقرع الأجراس) و(مرتفعات وذرنج)، و(العجوز والبحر)، وعدداً لا متناهي من الروايات العظيمة.

اليوم، حين ينتهي النهار، أجلس لأحصي عدد الساعات التي ضاعت دون أن أقرأ فيها، أقول ماذا فعلت بنفسي؟ لماذا ارتكبت كل تلك السخافات، أما كانت هذه الكتب أولى بذلك الوقت؟ وأعود أبحث عن وقت آخر للقراءة!

أين ذهب الشغف يا صديقتي؟

طباعة Email