أحوال مقلوبة

ت + ت - الحجم الطبيعي

كتب أحدهم: لا تحدثني عن الشقاء أرجوك، ففي الحياة ما هو أجمل مما نظن. صحيح، ولكن فيها كذلك ما هو أسوأ مما نتخيل، لكن يبقى هناك دائماً ما يستحق الالتفات والتذكر والامتنان برغم كل ما يحدث !

فحين لا يمكنك أن تخرج من بيتك وينتابك الضيق من حالة الوحدة، هناك من لا يمتلك بيتاً يؤيه، وحين كنت تنتظر الفرج كي تسافر، شاعراً باليأس والكآبة لأنك حرمت السفر لعامين متتالين، كان هناك من لم يعرف طريقه إلى المطار يوماً، ولا يعرف كيف تبدو الطائرات من الداخل لأنه لم يجرب ركوب طائرة في حياته !

وحين تندب أنت الحظ والدنيا وتكتب بحزن وإحباط وكأن القيامة تطرق أبواب الدنيا، معلناً أن الحياة والبهجة التي اعتادتها البشرية قد ذهبت إلى غير رجعة بسبب الأوبئة التي اجتاحت حياة البشر والحروب المدمرة، والأزمات الاقتصادية المنذرة بالغلاء والضيق والكفاف، وأن ما اعتدته قد ذهب نهائياً ولن يعود، لأنك لم تعد قادراً على تبديل سيارتك كلما أردت، ولأن سعر البنزين تضاعف مرتين، ولأنك لا تتحمل نفقات السفر كما السابق والذهاب لأمكنة السهر التي اعتدت أن تمضي فيها أوقاتاً مبهجة مع أصدقائك، هنا تذكر ولو للحظة أنه على مقربة أو مبعدة منك ملايين البشر يسيرون في شوارع بائسة لا تشبه شوارعك النظيفة المضاءة والمخططة والمملوءة بسيارات تلمع نظافة ورقياً، ومع ذلك يضحكون ويطلقون النكات والكلام البذيء بمرح وبهجة، غير مهتمين بالكمامات وأسعار البنزين والحرب على أوكرانيا، لأنهم لا يملكون هذه الرفاهية من الأساس، فما بالك بأماكن السهر ودور السينما؟!

ستشعر عندها أن الفقر قد ينقذ أهله من اليأس أحياناً في لحظة يكون فيها اليأس عنوان هذه اللحظة، وستتمنى أن تكون واحداً من فقراء العالم، فقط لتغادر إحساسك بالبؤس الجاثم على صدرك !

كتب ديستويفسكي:

«الشقاء موجود في كل مكان يا صديقي الطيب، حتى في المساكن المذهبة. ما من أحد يستطيع أن يفلت منه».

طباعة Email