إلى أين تقودنا السرعة؟

ت + ت - الحجم الطبيعي

فيما قبل منتصف الثمانينيات كان الزمن وكأنه غير الزمن الذي نعيشه اليوم، تقول أمي كسيدة ذات تفكير تقليدي مثل كثيرين غيرها: إن البركة قد انتزعت من الزمن في هذه الأيام، والبركة التي تقصدها أمي تعني الخير والطمأنينة والرزق الوفير.

أما العقلانيون الذين لا يفسرون تقلبات الحياة بهذا المنطق التقليدي فيقولون إن الزمن لم يتغير أبداً، وأن اليوم لا يزال 24 ساعة، وكذلك الأسبوع والشهر والسنة، الذي تغير هو مقدار الأعمال والضغوطات والمطالب والطموحات والاهتمامات التي أصبحت تتجاذب وجدان وعقل الإنسان، حيث إن الـ 24 ساعة التي كانت تكفي لاستيعاب أعمال محددة، بات من الصعب أن تكفي كل هذا الذي يود المرء القيام به في حياة اليوم!

فمنذ نهاية حقبة الثمانينيات ظهر توجه مغاير في التعامل مع الزمن، توجه ينفي البطء ويعلي من قدر السرعة، وبالنتيجة فقد وصل البشر إلى حياة متخمة لاهثة إلى درجة الانفجار.

أتذكر يوم كنا طلاباً في الثمانينيات، ننتظر الحافلات لتقلنا إلى الجامعة، وقد يحدث أن تتأخر عن موعد وصولها، فماذا كنا نفعل؟ نجلس معاً نتبادل الأحاديث والنكات والكثير من الكذب والادعاءات التافهة، كنا بذلك نمرر الوقت بلا شكاوى أو تذمر، فإذا وصلت الحافلة اندفعنا كلنا إلى داخلها، لتبدأ رحلة الذهاب إلى مدينة العين، حيث جامعة الإمارات، كانت الحافلات وقتها تضج بأغنيات عبدالحليم ومحمد عبده وعبدالكريم عبدالقادر، هكذا كان يمر الوقت ببساطة.

مر الزمن وتغير كل شيء، وصارت السرعة هي الصفة الأساسية لهذا التغيير، صار الاندفاع نحو إنجاز أكبر قدر من المهام والأعمال هو الفيصل للنجاح، وصار الأفضل هو الأسرع، والأسرع هو من يركض أكثر لينال أكبر نصيب ممكن من الأرباح والعلاقات والمكافآت والشهرة و…، وأصبح من المعتاد أن تسمع الناس يرددون حبذا لو كان اليوم 48 ساعة بدل 24، لنقوم بما علينا!

هذه الحياة السريعة التي حمَّل فيها الإنسان نفسه فوق طاقته فوصل الكثيرون لحافة الانهيارات الجسدية والأمراض النفسية وبعضهم وقع مغشياً عليه وغادر الحياة!

طباعة Email