الحياة في ظل الفكرة

ت + ت - الحجم الطبيعي

يقول الشاعر المصري عبدالرحمن الأبنودي:

«خايف أموت

وتموت معايا الفكرة

لا ينتصر كل اللي حبيته

ولا يتهزم كل اللي كنت أكره

اتخيلوا الحسرة!!»

هل تتخيلون شخصاً يناضل على طريقة أصحاب القضايا والأفكار الكبيرة، شخصاً يظل عمره كله مؤمناً بفكرة يعمل ليل نهار لرفعها عالياً، لتبليغها لأكبر عدد من الناس، كي تسود هذه الفكرة، كي تنتصر وتصبح جزءاً من الواقع، بحيث تغيره وتدفعه للأمام، في مجال الثقافة، أو الإدارة أو الاقتصاد أو التعليم أو الفن.. والنضال المقصود هنا ليس بالضرورة أن يكون عبر البندقية أو القنبلة أو التفجير والعنف، فقد تناضل بقصيدة تشعل بها الدنيا، وقد تكتب رواية تهز بها أركان سلطة متجبرة، وقد تضع كتاباً تقلب به الدنيا رأساً على عقب، تمحو به ما كان وتؤسس لفكر مغاير عما كان!

هكذا فعل علماء وكتاب وفلاسفة ومنظرون، كتبوا في الحريات وحقوق الإنسان، وفضح العنصرية والتمييز ضد الآخر المختلف، فلاسفة كتبوا في نظريات العقد الاجتماعي بين المواطنين والسلطة، وآخرون كتبوا في الفصل بين السلطات لمنع فكرة الفساد من التسلل عبر خلط السلطات واستغلال الوظائف، وشعراء تغنوا بالاستقلال وباب الحرية التي بكل يد مضرجة تدق!

فكيف يمكن أن نتخيل مسيرتنا عبر الزمن الطويل الذي قطعناه كبشر على هذه الأرض لو لم يوجد هؤلاء؟ لو لم يوجد فيلسوف كابن رشد، أو ابن عربي، أو ديكارت، أو مونتسكيو أو جون لوك أو جورج واشنطن وإبراهام لنكولن أو غاندي أو عمر المختار أو طه حسين ونجيب محفوظ أو الأبنودي أو… وآلاف غيرهم من أصحاب الأفكار والقضايا والأحلام العظيمة!

أقول ذلك، رداً على شخص سألني باستهتار غريب يدل على جهل مركب: وما أهمية كل هؤلاء الفلاسفة وأهل الكلام والشعراء في الحياة؟ ثم إذا بعبارة الأبنودي تمسك بقلبي لتهزه من جذوره: فكيف بهؤلاء وهم ينظرون لأعمارهم تتسرب من بين أصابع الأيام، وتموت أفكارهم دون أن يتحقق منها شيء، فلا ينتصر ما أحبوه، ولا ينهزم كل الذي كرهوه؟! تصوروا المأساة!

طباعة Email