ذاكرة رمضان

ت + ت - الحجم الطبيعي

يلاقينا رمضان كما كل عام، الزمن وتعريفاته وأحداثه لا تتغير، نحن الذين نتغير ولا نكف عن التغيير، وذلك أمر يبدو طبيعياً جداً، لكنه غالباً ما يكون مؤلماً أو مثار استغراب وتأمل، وأحياناً تساؤلات وجدالات لا تتوقف، والسؤال: هل يملك الإنسان أن لا يتغير، أم أن التغيير سنة الكون الثابتة التي تجعلنا مطمئنين إلى أن الأمور تسير في مسارها الصحيح، وأن لا شيء سيقف في مكانه طويلاً؟

يطل علينا رمضان من وراء أيام كانت صعبة، فهذا هو رمضان الثالث الذي يعبر أمامنا والعالم يتخبط في ملابسات «كورونا»، أوله كان صامتاً مجللاً بالعزلة، حيث كانت طاولات الإفطار فارغة، أما الطعام فكان يوضع ويرفع في تقليد روتيني، أما اجتماعات العائلة فكانت محظورة، هذا العام يهل رمضان وقد تزحزح العالم بعيداً عن الجائحة على أمل توديعها نهائياً.

كانت ذاكرتي في أيام العزلة تلك تستعيد رمضان الطفولة والمراهقة عندما كنا ننعم بالأنس والبهجة اللذين يرافقان الشهر الكريم في تلك الأيام منذ أن يهل وحتى يودع أحياءنا وأيامنا، فتهل علي رائحة والدتي وهي عائدة من صلاة التراويح، متأبطة سجادة صلاتها، فتنام ما إن تعود من المسجد من شدة التعب وإنهاك اليوم الطويل، بينما نظل نحن برفقة صغار البيت والفريج نحفر المساء بالصراخ والقهقهات واللعب، خارجين إلى فضاءات الأزقة وبيوت الجيران التي كانت لنا ساحات مفتوحة لألعاب تقليدية يلعبها كل الصغار في ذلك الزمان.

بينما تظل جدتي مستيقظة أطول وقت ممكن إلى حين عودة جدي وأبي من الخارج، لقد كان عليها مهمة طهي السحور قبل أن تنام، وكان سحور معظم الناس في تلك الأيام الأرز المسلوق واللبن الرائب، أو إذا توافر بعض السمك المشوي فتلك نعمة جليلة!

قبل الفجر بساعة، يصحو الكبار لتناول السحور، وكان بوطبيلة يدور في الحي يقرع طبله منادياً للسحور، وجدتي توقظ أهل الدار بعبارتها (قومي تسحروا السحور بركة) فينفض الجميع النعاس عن عيونهم وينهضون متكاسلين، تلك أيام عشناها وهذه أيام ندعو الله أن تكتمل بالطاعة والخير على الجميع.

طباعة Email