من هو الأبله؟

ت + ت - الحجم الطبيعي

الرسالة التي وصلتني مؤخراً تقول: هل تتفقين مع الأديب الروسي فيودور دوستويفسكي في حديثه عن الأشخاص الطيبين باعتبارهم بلهاء؟، فقد وصف في روايته الشهيرة الأمير ميشكين، الرجل الطيب الجميل بشكل لا يقبل الجدل بالأبله.

هذا الأمر محل نقاش دائم من قبل الأفراد وعلماء السلوك ومنظري علم الأخلاق، هل يجوز اعتبار الإنسان الطيب شخصاً ساذجاً؟ هل يحق لنا اعتبار الإنسان الخدوم أو المتفاني في خدمة الآخرين بلا مقابل وعلى حساب نفسه أحياناً شخصاً أبله؟

إن الإجابة عن هذا السؤال ترتبط إلى حد كبير بأمور مختلفة، كنظرتنا للأخلاق بشكل عام وفيما إذا كنا نخلط بينها وبين المصلحة المادية أو أننا نتعامل بها ومعها بتجرد كقيم مثالية نمارسها دون انتظار أي مقابل، كالتطوع لخدمة الآخرين والتضحية في سبيل قضايا معينة والتفاني في خدمة الوطن والناس والأهل… إلخ.

كيف ننظر للأخلاق، هل هي قيم وقناعات نمارسها بإيمان ورضا انطلاقاً من التربية، التي تلقيناها والدين الذي نؤمن به والإنسانية، التي ترشدنا إلى ما يقودنا لتحقيق شرطنا الإنساني، الذي يرقى بنا ويرفعنا على الماديات والصغائر؟ أم أننا ننظر لها باعتبارها أسساً ومبادئ وظيفية نمارسها بحسب الموقف والحاجة وبقدر ما تعود علينا بفائدة من أي نوع!

يقول دوستويفسكي:

إن كان يظهر عليك ويمكن وصفك بالبراءة، والإيثار، واللطف، والأخلاق الرفيعة، والصدق، والوضوح، والعطف، ومحبة كل من حولك، حيث إنك لا تملك ضغينة تجاه أحد، فأنت «أبله» بكل تأكيد!

ليس سبب هذا أن هذه الصفات سلبية، وإنما لأنك تعيش في وسط المجتمع المُنحط والفاسد والمليء بالقذارة الأخلاقية، مجتمع يرى البراءة سذاجة، واللطف ضعفاً، والأخلاق يراها موضة قديمة، والصدق دليل عدم قدرة على المراوغة.

وهكذا، صار من يعيش بقلبٍ سليم هو الأبله، والماكر في مجتمع الذئاب هو الذكي، ذلك له علاقة بنوع المجتمع وطبيعته، ويبدو أن دوستويفسكي كان يصف الأبله وسط مجتمع يغوص عميقاً في الفساد في تلك الفترة التي كتب فيها روايته الرائعة (الأبله) سنة 1869.

طباعة Email