في البدء كانت، الحرية

ت + ت - الحجم الطبيعي

يختلف الناس عن بعضهم البعض في كل شيء، في ألوانهم وأشكالهم، وأخلاقهم، ومستويات ذكائهم، واستعداداتهم الفطرية، ورغباتهم واحتياجاتهم، وطبقاتهم، وأصولهم وأعراقهم وثقافاتهم، ووجهات نظرهم، والطريقة التي ينظرون ويقيمون بها: الحياة، الإيمان، الدين، الحرية، الأوطان، الكتب، السياسة، الصداقة، الفلسفة، السلطة، الديكتاتورية، السفر، المال … وملايين الأشياء الأخرى.

إن لكل مجموعة بشرية محدداتها وأطرها، وما يناسبها، وما تقدر على الالتزام به واتباعه، وما لا تقدر عليه ولا تستوعبه، وهذا ما يصنع الفروقات في كل شيء، في النهاية، علينا الاعتراف والقبول بقاعدة أن الناس مختلفون، لأن الله خلقهم مختلفين، لحكمة يعلمها، وسيبقون مختلفين، وأن في ذلك ثراء وتقدم ورحمة للجميع.

والاختلاف كما يطال كل الناس، فإنه يطال تجارب الكتّاب، لذلك، يختلف كاتب عن آخر، ومفكر عن مفكر، وفكر عن فكر، الكتّاب أشخاص مختلفون وفريدون، حين يعتزون بتجاربهم، وينتجون قناعاتهم، ويصنعون مسالكهم ورؤاهم، ولكنهم يتحولون إلى نسخ باهتة، حين يصيرون ببغاوات، تكرر وتقلد وتعيد إنتاج ما يقوله الآخرون، دون تفكير.

ليس أسهل من معرفة النسخة المعتمدة أو الأصيلة، من تلك الزائفة أو المقلدة، بين الكتّاب وأهل الأدب والفن، حيث يبقى للنسخة الأصيلة بهاؤها وتألقها وسطوتها، وحيثما وجدت أو عرضت، تحظى بالاهتمام والإقبال، وتدفع الملايين لامتلاكها، تلك هي سطوة التفرد!

إن الحياة، مثلما هي قدر، فهي اختيار، وإن الدروب التي مشيتُها أنا لم تمشها أنت، والكتب التي قرأتها أنت، لم تمنحني الظروف فرصة لقراءتها، لكنني جدفت صوب مساحات أخرى، وتعبت لأكون ما أنا عليه اليوم، ثم مكنتني الحياة من أن أطل عليها، وأتعرف إلى أسرارها، من نوافذ وجِهات لم تمنحها لك، لذلك، فنحن نختلف بقدر ما نجتهد لنعرف ونتبصر، وبقدر ما نحترم خياراتنا، وبقدر ما نذهب عميقاً في إنسانيتنا. لذلك، فالحرية أول الطريق، وأول الاختبار.

طباعة Email