العد التنازلي لإكسبو 2020 دبي

    الخلود الحقيقي

    لقد تعبت أمي بالفعل، أنهكها الزمن وتقلبات الأيام، لم تعد تحكي لنا حكايات الأولين، من سمعت عنهم ومن عايشتهم، لا أدري أذاك لأنها تيقَّنت بأن رسائلها وصلتنا بما فيه الكفاية ولا حاجة لنا بالمزيد؟ أم أن يقيناً آخر داخلها، خلاصته أن لا فائدة، وأن الموج عالٍ، وليعتصم كل بجبله، وأنها مدت بيننا وبين جبال الوصايا بحبال كافية؟ لا أدري تماماً، لكنها أصبحت تكتفي بتأمل الزمان وأحوال أهله، وتردد الأبيات والقصائد، وأحياناً أسمعها تغني كمن على وتر الربابة في الخلاء، حيث لا أحد!

    أما نحن، إخوتي وأنا، فأظننا قد أنصتنا لها مذ كنا لا نعرف سوى أن نجلس حولها صامتين في هدأة الليل، عندما كانت البيوت تضاء بمصابيح الكاز، كانت الشعلة الصغيرة في رأس فتيلة الفنر تنعكس على الجدار صانعة لعبة ضوء باهرة، كانت خيالاتنا تصنع مسرح لعب وعرائس، وكنا نقضي زمناً نضحك معاً ومع خيالاتنا على الجدار، بينما أمي تحاول عبثاً أن تخمد ثورة البهجة تلك لنجلس ونستمع.. في نهاية الأمر كان لا بد أن نتساقط كفراشات الضوء حول ضوء أمي الكبير.

    لقد استمعت إلى أمي كثيراً، منذ أيام الخيالات تلك، وقبل زمن قصير، أسمعتني حكايات بلا حصر، ملأت ذاكرتي بالكثير، أصبحت كلوحة كولاج لا يمكنك أن تفتقد شيئاً فيها.

    وفي الحقيقة، فإن أمي، عندما كانت تحكي لنا، لم تكن تفعل ذلك على طريقة تسليتنا فقط أو لملء وقت الفراغ، تؤمن أمي بأن بين الإنسان ونفسه وما بينه وبين الآخرين مسافات علينا أن نتأملها بروية، وأن نقطعها بفهم، وبيننا وبينهم أفكار تحتاج أن نعلنها بصوت عال، كي يستفيد الجميع ويتعلموا، وواحدة من طرق نقل المعرفة هي الكلام بصوت مسموع ومقروء معاً.

    تقول: إن الأولين قد فهموا هذه الحكمة جيداً، فعاشوا حياتهم وكتبوا ذاكرتهم في قلوب أبنائهم ومضوا إلى خلودهم الحقيقي!

     

    طباعة Email