العد التنازلي لإكسبو 2020 دبي

    هل يمكن تخيُّل الألم؟

    لا يمكنني تخيُّل مقدار الألم (الجسدي والنفسي)، الذي عايشه البشر عندما تسلطت عليهم أنظمة قمعية أذاقتهم الويلات، فلا يمكن لأي أحد أن يتخيل الألم، لأن الألم شعور جسدي ونفسي، يعاينه صاحبه بخلاياه العصبية المتصلة بمراكز الشعور بالألم في دماغه، وبالتالي، فهو لا يتدفق من الدماغ مرفوعاً بأجنحة الخيال، بل بقنوات ومسارات من لحم ودم، داخل دهاليز ومتاهة الجسد والروح المعقدة. لذلك، لا يمكن تصديق ذلك الذي يقول لك أنا أشعر بألمك، بينما يتصرف بشكل لا يمت للتعاطف والإنسانية بصلة!

    كنت أتابع ذلك المصلي الذي هب غاضباً في أحد مساجد منطقة من مناطق لبنان، فبعد خطبة الجمعة، وقف ذلك المصلي أمام الخطيب، تتدفق كلمات الغضب والوجع من فمه كبركان، فاندفع يسأل الخطيب: كيف تدعو لفلان، وكل ما يعانيه الناس من وجع وبؤس وتردٍ بسببه، وسبب من معه ممن يحكموننا؟ كان الخطيب يتصرف كموظف مأمور، لا كإنسان متعاطف، أو يجب عليه أن يقف في صف الضحية، لذلك، فلا جواب يمكن أن يشفي غليل الرجل الغاضب، حتى تلك العبارة المنمقة (إنني أشعر بكم)، بدت دافعة لغضب أكبر!

    هناك تجارب ألم مشتركة، كلنا مررنا بها ربما، آلام الأمراض الخطيرة، آلام ما بعد العمليات الجراحية، ألم الحمى، وآلام الفقد والحزن… إلخ، وهناك تجارب خاصة في الألم، نعبرها كطريق خاص، لا يصحبنا فيه أحد، ولا نتشابه فيه مع أحد، كطريق الآلام التي يقطعها شخص في طريقه للمشنقة، أو لاستقبال رصاصة في دماغه!

    فهل يمكن لأحدنا تخيل مقدار ذلك الألم؟ وكذلك الألم الذي يتكبده رجل زج في ظلمات السجن ظلماً، ليقضى عشرات السنين بلا ذنب، فهل نتصور مقدار الآلام التي عاناها وعاينها، وعني باقتلاع شوكة شوكة من روحه، طيلة تلك السنوات، هل يمكن لأحدنا أن يقف مدعياً قدرته على الشعور بآلام هذا الرجل؟.

    طباعة Email