حرية الكلام..!

يدفع كثير من الناس أثماناً باهظة نتيجة سقطات ألسنتهم، ولن نكون مبالغين إذا قلنا إن العداوات والمآزق والخسارات التي يتسبب فيها اللسان أكثر من تلك التي تنتج جراء معارك الأيدي أو حتى الأسلحة، فهو سلاح لا يحتاج إلى أموال لشرائه، ولا تدريب أو ترخيص أو استعداد لاستخدامه، إنه معك وتحت إمرتك، يكفي أن تفتح فمك لتبدأ خسائرك إن شئت أو أرباحك إن عرفت كيف تكون حكيماً في استخدام لسانك وكلماتك.

وأن تكون دقيقاً في معرفة متى تتكلم ومتى تصمت، وحذراً في استخدام الكلمات والتعبيرات والتشبيهات والمقارنات، وحكيماً في اختيار ما تتلفظ به تجنباً لأذى من تحدثهم، ومهذباً ومتوازناً وحلو الكلام والحديث، كل ذلك لا يرتبط بالعمر شرطاً، فكم من صغير حكيم وكم من كبير أحمق، كما لا علاقة له بكثرة القراءة والشهادات، وإن كان كل هذا من المفترض أن يؤثر في نوعية أحاديثنا بلا شك.

إن الحكمة واللباقة ومعرفة وقع الكلام على الآخرين لها علاقة بنشأة الإنسان وتربيته ومحيطه ورهافة روحه واهتمامه الشديد بغيره وحرصه على تجنب أذى الآخرين، من هنا نجد أناساً، وبسبب لا مبالاتهم بغيرهم، لا يهتمون بوقع ما يقولون، ولا ينتبهون إلى كارثية ألفاظهم ولا يراجعون سياقات أحاديثهم، لذلك قالوا «إلا الحماقة أعيت من يداويها»!

وبما أن أكبر منجزات العصر المتمثلة في تكنولوجيا التواصل الاجتماعي قد وقعت بين أيدي أعداد كبيرة من الحمقى على حد وصف الفيلسوف «امبرتو إيكو» الذين لم يحلموا يوماً بأن يسمعهم أحد فإذا بهم يخاطبون ملايين الناس حول العالم ويتحولون إلى «مشاهير ومؤثرين»، لذلك نجد أن معظم القضايا المرفوعة على هؤلاء في المحاكم مردّها تفوّههم بكلام غير مقبول أو خارج على حدود الأدب ومتجاوز للحرية المسموح بها.

لا تفتح فمك وتطلق كلماتك في الفضاء إلا إذا كنت واثقاً مما تقول وفي مأمن من شر لسانك.

 

طباعة Email