حديث.. داير

جاء جلوسي في غرفة الانتظار في المشفى الذي تتلقى فيه والدتي العلاج بجوار سيدتين تنتظران دوريهما لإجراء التحاليل المطلوبة، لم أقصد أن أتنصت على حديثهما ولكن صوتيهما كانا مرتفعين، قالت إحداهما: تكاد هذه الكمامة تخنقني، وهذا التباعد، هذا القلق والترقب، هذا الخوف من «كورونا» وأخطاره.. واسترسلت..!

تحسست الكمامة على وجهي وشعرت بالاختناق فعلاً، تأملت كل العابرين في ممرات المشفى، وفكرت متى سنتحرر من هذا الاختناق؟ فكرت في نزع الكمامة كردة فعل، ولكنني تراجعت إذ تذكرت التعليمات والغرامات، فعدلت عن فكرتي وهدأت!

بدت السيدة الأخرى صامتة فلم تنبس بكلمة، وبعد لحظات صمت التفتت صوب صديقتها وقالت: أظن أن كل ما يحدث لنا منذ أن هبط علينا «كورونا» وحتى اليوم يحدث لحكمة لا نعلمها! فقلت ها نحن أمام موعظة في قلب مشفى إنجليزي!

انتظرتها أن تواصل فقالت: لو فكرنا قليلاً لعرفنا أن البشرية تحتاج بين فترة وأخرى لتقف قليلاً، لتتحسس إنسانيتها، حاجتها للألم والتعاطف مع الآخر، فماذا نحن إن لم نحزن، ونبكِ، ونصرخ ونخَف ونقلق ونشعر بانعدام الأمان وبالتالي نسعى لإيجاده والحفاظ عليه؟ ماذا نحن وقد خربنا علاقاتنا وبيئتنا ومواردنا وقيمنا.. ثم اقتربنا لأن نكون أشباه بشر؟ ألا نحتاج لشيء يعيد إلينا ثقتنا بحقيقة بشريتنا وإنسانيتنا معاً؟

تدخلت بدوري فقلت: وماذا عن المؤمنين بإنسانيتهم يا سيدتي، والذين لم يخربوا البيئة ولم يتحولوا لأشباه بشر؟ لماذا عليهم أن يعانوا دائماً؟ هذه ليست المرة الأولى في تاريخ المعاناة، إن البشرية لم تتوقف يوماً عن الألم ومعاناة الفقد والموت، المشكلة أن الذي يصنع المعاناة ليس هو الذي يعاني، فهناك آخرون يدفعون الثمن في كل مرة، فهل كنتِ بحاجة لـ«كورونا» لتتعاطفي مع الآخرين؟

كانت كمن وقعت.. في الحيرة، وبحاجة لمن ينقذها، فجاء نداء الممرضة باسمها لينقذها من حيرتها!

 

طباعة Email