ماكينة سنجر

كان يا ما كان، وفيما مضى من الزمان، عندما كنا نسافر بحرية وبلا تردد ولا تفكير، قبل «كورونا» والكمامات اللعينة والحجر والتطعيم، كان يصادف أن أتجول بين أزقة بعض المدن الأوروبية، فتستوقفني تلك الحوانيت التقليدية التي لا تزال إلى يومنا هذا، تقدم خدماتها التقليدية، كالخياطة وأعمال الصوف والدانتيل كما تبيع الخيوط وإبر الحياكة والأزرار، وكانت ماكينة الخياطة ماركة (سنجر) هي أكثر ما يلفت نظري في تلك الحوانيت، كنت أقف طويلاً أتأمل تلك الآلة كمن يقشر طبقات الزمن، فأغيب عن اللحظة لأندس في زمن آخر!

كانت الماكينة جزءاً من مقتنيات غرفة والدتي، اعتدت أن أراها تعمل عليها خلال بعض النهارات بصبر وصمت، تفصل ثيابي وثياب إخوتي بدقة، وتنجزها بسرعة، أما الأكثر ثباتاً مما تبقى في الذاكرة فهو طريقة اعتنائها بها: تنظيفها باستمرار، تزييتها ووضعها في الشمس، حفظ الخيوط والإبر والمقصات، في علبة معدنية معدة لهذا الغرض، وعدم السماح لنا بالاقتراب منها، فقد كانت قطعة غالية ومهمة وباهظة القيمة، وجليساً حميما لنساء كثيرات قضين معها نهارات طويلة لم يحتجن خلالها للذهاب لدكاكين الخياطة!!

أتذكر تماماً تلك السنوات السبع الأولى من طفولتي والتي قضت أمي جزءاً لا بأس به من نهارات أيامها تخيط فيها ثيابي بصبر، لقد كانت ماكينة (سنجر) الرفيقة التي لازمتها وأعانتها على تحقيق ما كانت تحلم أن تلبسني إياه، وحين كبرنا أختي وأنا، ورثت شقيقتي حب الخياطة عن أمي وورثت أنا حب الطهي وفنون المطبخ عن جدتي، فكانت قسمة عادلة.

ثم رسخت دروس الخياطة والتدبير المنزلي في المدرسة هذه الاهتمامات، وقد ظلت سائدة في مدارس البنات حتى نهاية عقد الثمانينيات حسب ما أتذكر، بعد ذلك ألغيت هذه الدروس ظناً من واضعي المناهج أن فتيات اليوم بما توافر لهن من ثراء في غير حاجة لها، من وجهة نظرهم طبعاً!

طباعة Email