من سرق دهشتنا؟

حين تخرجت في الجامعة سافرت إلى واشنطن نهاية الثمانينيات، وهناك وقفت مملوءة بالدهشة أمام سلالم المترو المتحركة التي لا تُرى نهايتها، وأمام «المركز التجاري» الضخم المملوء بالعجائب كمغارة الحكايات، وحين دخلت المتاحف التي لا تعد ولا تحصى، وتأملت نصب أبراهام لنكولن والمسلة العملاقة وحائط قتلى فيتنام الرخامي الأسود، وحين دخلت غرف البيت الأبيض.. يومها عرفت لذة أن تدهش، وأحببت ذلك الإحساس كثيراً.

اليوم أفكر في أطفالنا الذين يعيشون متعاً وإمكانات لم يتمتع بها أطفال الأمس، إنهم يقفون ببساطة على قمة أعلى بناء على وجه الأرض، ويتجولون في أكبر المراكز التجارية في العالم، ويلعبون مع الدلافين، ويحضرون في أطول مضامير سباقات الخيول، إنهم يسافرون حول العالم وهم بالكاد ينطقون أسماء إخوتهم، ولذلك صار البحث عما يمكن أن يبهجهم أمراً أقرب للمعجزة!

يقول الأطباء والعلماء الذين يبحثون عن علاجات بديلة ناجعة، إن الدهشة والفرح والتواصل الإنساني تعد معادلات موضوعية ومضادات حيوية لعلاج الكآبة والميل للوحدة والعزلة، وإن على الآباء والأمهات أن يشجعوا أبناءهم عليها، ليسوا هم فقط بل حتى الكبار الذين ينزوون بعيداً، مفضلين الصمت والوحدة!

نحن نحتاج للدهشة كما نحتاج للحلم والفرح والترقب والأمل، ولا شيء يمكن أن يقاوم تسمم الحياة وجمودها وموتها في قلب أي إنسان كالبهجة والدهشة والفرح، ولذا فحين أنصت لحكاية إحداهن أو أحدهم وقد وقع ضحية الأمراض الخبيثة أو الاكتئاب الحاد، أعلم بأنه قد ابتلع من الهموم والأحزان الشيء الكثير، وكم نبشتُ في تفاصيل حياة من أعرفهم ممن وقع في براثن الأمراض، فوجدت أنهم منهكون بالألم والقهر، وأنه قد قيل لهم اصبروا؛ لأن الصبر على البلاء دليل على الإيمان، فهل علم الذين يقولون ذلك أن البحث عن العلاج كذلك دليل على الإيمان وأن تحصينات البشر النفسية ليست كلها بذات القوة؟!

طباعة Email