واشتقنا أن نمشي لا أكثر!

تتحدث صديقتان، كأي صديقتين تجريان حديثاً هاتفياً عادياً، فجأة تقول إحداهما للأخرى:

- اشتقت للمشي في الطرقات، كبقية خلق الله!

تجيبها صديقتها مبتسمة، لدي الاشتياق نفسه، للسفر والمطر والمشي في شوارع مظللة بالشجر، ومحتشدة بأصوات البشر وروائحهم، وألوان ثيابهم، لكنني أحاول أن أعلل نفسي بالأمل والفرج القريب!

تجيبها صديقتها، لقد تعبنا يا عزيزتي، ونحن نقاوم بصمت وصلابة، طيلة هذا الوقت الطويل، الذي مر بنا منذ فرض الوباء شروطه على البشرية، وعزل الناس في منازلهم ومدنهم، هذه العزلة البائسة، التي لن تمر بنا مرور الكرام، وستترك ندوباً غائرة في دواخلنا!

- تقول الأخرى بما يشبه السخرية: هل يمكنك أن تتخيلي إلى أي مستوى وصلت أمانينا؟ لقد صرنا نتمنى ما كان يمارسه الإنسان تلقائياً، دون أدنى جهد أو ثمن، أن تخرج من بيتك، وأن تمشي متسكعاً في طرقات حيك أو منطقتك، أن تجلس على مقعد في حديقة تستمتع بنعمة الشمس والضوء والهواء وأصوات الناس، تتحدث إلى جارك، وتراقب أطفالك وأطفال الجيران يتشاكسون معاً، وسط ضحكات تغير مزاج النهار كله.

لقد خلقنا مشائين، عشاقاً للحياة والضوء والهواء، ومشاركة الآخرين، والتحرك معهم في فضاء مشترك بسلام وطمأنينة، وكم نحِنّ لاستعادتها بأسرع ما يمكن، لنعاود حياتنا كما كنا.

- بصوت ملّ المجادلة، قالت إحداهما: لكننا نجد أنفسنا مكبلين في المنازل طيلة الوقت، مشدودين للخوف، وإلى المقاعد، ورسائل التشكيك في كل شيء، مسجونين في صفحات تضيء وتنطفئ على شاشات هواتفنا، وبدل أن نمشي ونتعامل مع بشر من لحم ودم، نلقي التحية بصوت مسموع على من يمر بنا، ونعبر رصيفاً يقع عليه حانوت يبيع الكتب، ندخله كعادتنا، دون أن تكون لدينا رغبة في الشراء، لكنه فضولنا الإنساني، يدفعنا برفق إلى الداخل، لنشتري ما لسنا بحاجة إليه.

تلك هي إنسانيتنا البسيطة، التي اشتقنا إليها.

 

طباعة Email