إنه وطننا.. إنه رائحتنا

ما أتذكره دائماً ولا أنساه، حين أخرج إلى شوارع المدينة، أو أنصت للشعراء والكتاب والأدباء الشباب وهم يبحثون عن صوتهم الخاص ذي النكهة الإماراتية، أتذكر طفولتنا البكر، تلك الطفولة، التي حين أستعيدها، يتدحرج موج ناعم في قاع القلب، وتهب روائح أسماك، وتخشخش قواقع ومحارات يابسة كنا ننحني لنلتقطها ونحن نركض في تلك المساحات البيضاء لرمال الشاطئ.ما أتذكره بإلحاح أيضاً هم الرفاق الذين كبرنا معهم، رجال الحي الذين كنا نتبع تعليماتهم كما أهلنا، مدرسة الحي الأولى، ساحة اللعب المتربة، بيتنا الأبيض، بوابات الحي الخشبية، أبقار جدتي... وما أتذكره ولا أنساه أبداً هو طقس الأمان، الذي كان يسمح لنا بأن نملأ الأمكنة بلعبنا حتى ساعات الليل المتأخرة.

وما أتذكره بوضوح نقي ومبهج: تلك النوارس الناصعة، ثياب الصغيرات المزركشة، ثياب الجدات والأمهات العابقة بالألوان والبخور والعطور، البيوت المتلاصقة، مئذنة مسجد حي عيال ناصر وأصوات الأذان، المراكب الواقفة كلعب بعيدة لا تطالها أيدي الصغار، رزم السمك يحملها الرجال الخارجون من مراكب الصيد، أسماك (العومة) المفروشة على رمال الشاطئ تحت وهج الشمس في حي (الضغاية).

وأتذكر ما هو أكثر وأجمل، هذه ذاكرة نحبها جميعاً، نعشقها، وحين تلوح، نبتسم ونمد أيدينا كمن يريد الإمساك بها، كمن يريد أن يصير خيطاً يرفرف في شال تلك الأيام، تلك رائحتنا وبصمة ذاكرتنا الخاصة، الذاكرة التي ليست سوى ذاكرة وطن، وهوية تاريخ، ولغة شعب، ووطن تسلل واستقر في داخلنا منذ لعبنا معه بحراً وأزقة رملاً وماء، لهجة وأمثلة وأصواتاً، هكذا تعرفنا إلى كل شيء فيه حتى استقر في دمنا.

هكذا نما الوطن فينا، وهكذا صار هوية ولغة وأماً وأماناً، والإنسان أينما كان، ليس له سوى أم واحدة ولغة واحدة، وما عداهما ليس سوى بدائل.

طباعة Email