المدن التي كنا نعرفها!

تلك المدن التي كانت تركض نحو الغد، وفي كل الاتجاهات، هل تساءلنا يوماً إلى أي غدٍ كانت تستعجل المسير؟، لقد كانت ككائنات الأساطير، تركض مرتدية أحذية من ريح، تتجاوز سرعة كل الطرقات في العالم، ولا قوانين تحكمها، سوى قوانينها، ولا أحد يستوقفها، لا ليسجل بحقها مخالفة سير، ولا ليلفتها إلى ما يتساقط منها على جانبي الطريق!

الجري دون انضباط أو غطاء من المنطق، يجعلك تفقد الكثير دون انتباه، وتلك المفقودات، مِلك الناس الذين تركض بهم تلك المدن دون توقف، هذه المدن التي تستهويها الأفكار الغرائبية، والذكاء الصناعي كثيراً، يجعلنا نتساءل: فماذا عن الذكاء الطبيعي؟ ماذا عن الإنسان الطبيعي؟ هل سيتم إحالته للمتاحف؟ ماذا عن الانتباه للتفاصيل الإنسانية؟ أم أنها لن تكون ذات قيمة؟ ماذا عن القيم والاحتياجات والرغبات؟.

وأنا أتابع فيلم (Her)، الذي تقع أحداثه في واحدة من تلك المدن التي تسمى (مدن المستقبل)، شعرت بنوع من الرعب، بأن ما يبدو في الفيلم سلوكيات مستقبلية، أجدها تزحف بقوة، وتحتل واجهة السلوك اليومي بيننا، الإنسان الذي يتحدث إلى الأجهزة، العلاقات الإنسانية المفتقدة تماماً، أنظمة التشغيل التي تحتل الحياة وتتحكم فيها، والإنسان الذي يقمع رغباته، ليضطر في النهاية إلى إقامة علاقات عاطفية غريبة مع أنظمة تشغيل!!

اليوم، يتحدث الجميع إلى الأجهزة طيلة اليوم، يستكثر الناس على بعضهم (صباح الخير)، باتصال هاتفي، وبعضهم استقبل عزلة «كورونا» بارتياح، أما الإنسان البسيط المبتهج والعادي جداً، الذي لا يجلس في المقاهي الفخمة، ولا يرتدي من محلات «شانيل»، ولا يحب الذهاب للمول الكبير، ولا يتابع أخبار الانتخابات الأمريكية، ولا يعرف كل التطبيقات الذكية، فلا مكان له!

طباعة Email
تعليقات

تعليقات