أبواب الذاكرة

أن تستيقظ باكراً، فتلك نعمة حقيقية، وأن يكون الصباح رائقاً، فنور على نور، أغرتني أصوات الحديقة بالخروج، فجلست منصتة لضجيج من نوع عذب بدأ يتسلل إلى داخلي: وقع الهواء، جندب يسير على ورقة ياسمين، تساقط أوراق شجرة المانجا، أصوات العصافير المختبئة في عمق الأشجار، أزيز بعض الحشرات، أصوات طيور الببغاء الخضراء صغيرة الحجم التي بدأت أسرابها تنتشر في المنطقة، وخفق أجنحة طيور تغادر أعشاشها.

سريعاً، بدأ النور يشحذ ألقه ليفرض سطوته على المكان، نازعاً عباءة الصمت، فتعالت همهمات عمال أنزلتهم حافلة على رصيف محاذٍ لمنزلنا، بينما انطلق سائقها مسرعاً يشق هدوء الحي الذي بدأ يصحو ماسحاً نعاس الليل.

انتبهت إلى أنني أجلس في مواجهة باب البيت، تأملته حد الغرق في تفاصيله، نقوشه، العطب الذي بدأ يغزوه، تذكرت أنني كنت قد قرأت منذ مدة رواية بديعة بعنوان «الباب»، لكاتبة هنغارية اسمها ماجدا سابوا، وكلاهما الرواية والكاتبة لا يحظيان بالشهرة المستحقة، مع أن الرواية من أجمل ما يمكن لقارئ أن يعثر عليها بطريق المصادفة.

تتناول الرواية العلاقة التي تتعمق بشكل سلس بين الكاتبة وخادمتها العجوز غريبة الأطوار والمعبأة بالحكايات والأسرار، والتي تحجز نفسها في غرفة خلف باب تحوّل إلى أحد أسرارها، بحيث حاكت أذهان الناس حكايات وحكايات عما يدور خلف ذاك الباب.

أخذتني الذاكرة إلى طفولتي، وعلاقتي الحميمة بأبواب الخشب القديمة المعروفة في تلك السنوات، كنت أتسمر أمامها، وأتحسسها بتلك العقد الحديدية الشبيهة بالمسامير، وبالباب الصغير على شكل نصف قمر وسط الباب الكبير، فكان الكبار يحنون قاماتهم ليلجوا تلك الأبواب، ثم رأيتني وأنا أمشي في شوارع مدينة جبيل اللبنانية منذ سنوات وأقف أمام الأبواب نفسها التي وقفت أمامها طفلة مدفوعة لتلمس ذلك الخشب وتلك المسامير البارزة.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات