الالتزام

منذ سنوات بعيدة، يوم كنت لا أزال رئيسة للقسم الثقافي بجريدة البيان، تلقيت دعوة لحضور محاضرة لصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، وقد اختار سموه أن يبدأ حديثه بالسؤال التالي: ما هو في اعتقادكم أصعب شيء يمكن أن يواجه الإنسان؟ وتفاوتت الإجابات بين من كانوا يملؤون القاعة، لكن لم يكن من بينها الإجابة المنتظرة!

إنه القرار، هكذا أجاب سموه، فأن تتخذ قراراً وتتمسك به ليس بالأمر السهل، خاصة إذا كان قراراً قد يغير حياتك أو علاقاتك، القرار قوة هائلة، وطاقة خلاقة تحتاج الكثير من الصلابة والجسارة. ومنذ ذلك اليوم وأنا أرى أن القرار الذي يتخذه الواحد منا يمكن أن يرسم ملامح شخصيته وعمق تجاربه ونظرته لنفسه وللحياة. فأن تقرر يعني أن تختار، وأن تختار يعني أن تفاضل بين بدائل متعددة، لتصل إلى نقطة لا يمكنك التراجع بعدها، نقطة قد تنقلك إلى مكان مختلف، وقد تجعلك تخسر كل شيء!

طرحت أستاذة جامعية على طلابها هذا السؤال: ماذا تقولون في الحب الذي يجمع بين الأزواج، هل هو اختيار، أم مجرد مشاعر وأحاسيس؟ الذين رأوه مشاعر وأحاسيس كانوا أكثر تقبلاً لفكرة الطلاق ومغادرة بيت الزوجية والتخلي عن الشريك بمجرد أن يتلاشى وهج المشاعر الجياشة، أما الذين وجدوه اختياراً، فقد ناقشوا إجاباتهم انطلاقاً من أن الحياة وعلاقات الزواج والصداقة، متأسّسة على فكرة الالتزام، وأن أطراف العلاقة هنا يكونون أكثر حرصاً وتمسكاً بشركائهم، لأن هناك مشتركات كثيرة تجمعهم حتى لو تبخّر وهج الحب.

هذا الالتزام هو ما يجعلنا حريصين على من نحب، وما زلنا نراهم جديرين بالمحافظة عليهم ومستعدين للبقاء معهم، الالتزام هو ما يجعل استمرارية الحياة قراراً وخياراً متاحاً رغم كل التحديات.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات