الشجرة.. صندوق الموسيقى!

في كل صباح أفتح عينيّ على ضوء باهر يتسلل من نافذة غرفتي، أسرع دافعة الأغطية وبقايا النوم لأقف على حافة النافذة الواسعة، أطلّ على بيوت الحي الهادئ، باحثة عن خيال يتحرك، ومادّة يدي للخارج لألمس أغصان الشجرة الضخمة التي استطالت كثيراً حتى تجاوزت نافذتي في الطابق العلوي، تمتلئ هذه الشجرة في أيام الحجر القاسي بالكثير الذي يدفعني للحديث عنها!عندما انتقلنا إلى بيتنا الحالي في ربيع العام 2005، كانت الأرض التي تقابلنا فضاء واسعاً خالياً من أي بناء، فكان خيالي يشتغل دائماً بتأثيث ذلك الفراغ بمشروع حديقة، عامرة بالعشب، والأزهار والشجيرات، وبممرات ملتوية تنتهي بمقاعد خشبية، كالتي نراها في الحدائق العامة، وبأهل الحي يتسكّعون بهدوء، بينما عدد منهم يمارس رياضة المشي، وأطفال يقودون دراجاتهم الهوائية عبر ممر الدراجات، وأشجار ضخمة من ذلك النوع الذي يمتاز بجذوع ضخمة يمكنك أن تسند ظهرك عليها ذات صباح أو ظهيرة ربيعية، متأملاً السماء وغارقاً في قراءة رواية لطيفة!

كانت مساحة منزلنا جيدة الاتساع، ما سمح لوالدتي بغرس العديد من تلك الأشجار ذات الجذوع الضخمة، واحدة منها هي شجرة المانغو الهندية التي زرعتها أسفل نافذتي، وخيراً فعلت، فهي أول ما أراه عند استيقاظي، وبمضيّ الأيام تحول الفضاء الرحب من مشروع حديقة إلى مشروع من الأسمنت والبيوت المتراصة التي حجبت الأفق وغروب الشمس عنّا، ووأدت حلم الحديقة والأشجار المعمّرة!

في الأربعة أشهر الماضية جددت شجرة المانغو أوراقها مرتين، وامتلأت بأنواع عديدة من الطيور والعصافير، وتلونت بالببغاوات الملوّنة، وفي الصباح تصير صندوق موسيقى عذبة بشكل خرافي.. لذلك لم يعنني الحجر كثيراً إلا بمقدار حرماني من حرية التقاء من أحب.

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات