حين تكون مختلفاً؟

في عام 1970 صدرت رواية بعنوان «العيون الأكثر زرقة» للكاتبة الأمريكية توني موريسون، قرأت الرواية منذ أكثر من عشرين عاماً وما تزال صورة الطفلة السوداء «بيكولا» عالقة في ذهني، تجسيداً لمعاناة الطفل حين يقع تحت وطأة الاضطهاد العنصري بسبب جنسه ولونه وعرقه ووضعه المادي!

كانت بيكولا طفلة فقيرة، تخلو تماماً من أي ملمح جمالي، وكانت تقارن نفسها بزميلاتها الأمريكيات في المدرسة من ذوات الشعر الأشقر والعيون الزرق، فتجد أن الحصول على عيون زرق هو مخرجها الوحيد من كل أوجاع التمييز والإذلال اللذين تتعرض لهما، لذلك كانت تدعو الله كل ليلة أن يمنحها هذه العيون، وكانت تهرع كل صباح إلى المرآة لترى ما إذا كان الله قد حقق أمنيتها أم لا!

هل يمكننا تخيل مقدار الألم الذي كانت تعانيه تلك الطفلة إزاء مفهوم الجمال في تجليه العنصري؟ وإزاء هذا الإذلال الذي يجعلها عرضة للتحرش والاعتداء المجاني، فقط لأنها فتاة سوداء؟ إنه شعور يشبه أن يقذفك أحدهم إلى العراء أو العدم، حيث لا ملجأ تحتمي به، ولا مظلة تقيك شراسة ذاك العراء سوى أن تحتجب أو تختفي تماماً، كما كانت تفعل «بيكولا» انتظاراً لتحقق الأمنية المستحيلة.

وقبل موريسون بعشرة أعوام أي عام 1960، كتب الأمريكي بروس لاوري، وباللغة الفرنسية، رائعته «الندبة»، وفيها نواجه مع الطفل «جيف» الآلام نفسها، بسبب إصابته بتشوّه في شفته العليا، ما أدى لتعرضه لسخرية زملائه منه وإقصائهم له من مجموعات اللعب، ما دفعه كما الطفلة بيكولا، لأن يدعو الله كل ليلة كي يخلصه من ذلك التشوّه!

الصداقة التي وجدها في زميله «ويلي» هي طاقة الأمل التي فتحت أمام «جيف» الطريق ليعرف متعة الرفقة، إلا أن الإذلال السابق الذي جعله يسعى لأي قدر ولأي شكل من أشكال القبول به، جعله غير قادر على تمييز المعنى الحقيقي للحب أو رؤية الأشخاص الذين كانوا يحبونه فعلاً كوالده وأخيه الصغير «بوبي»، إلا أنه أشاح عنهما أملاً في أولئك البعيدين، فأضاف إلى ندبته ندوباً وأخطاء أخرى، كأنه يقول: «لا أحد بلا ندوب، والحياة نقاط ضعف نحملها مرغمين، أو نصنعها مرغمين» إلا أنها تشكلنا في نهاية الأمر!

طباعة Email
تعليقات

تعليقات