السيمفونية الأخيرة!!

في فيلم «عازف البيانو» نتابع المآسي التي مرت بها تلك الأسرة اليهودية التي كتب على أفرادها أن ينقلوا إلى معتزل في أطراف مدينة وارسو البولندية، حيث وجدوا أنفسهم مدفوعين لحياة ممعنة في الإذلال والرعب كما مئات الأسر الأخرى.

وحدها الأم كانت صمام الأمان وصانعة المقاومة، وإن في حدودها الدنيا، بما تمتلك من قدرة فائقة على توليد القلق والخوف. إنها كما دائماً، وفي كل الظروف، تحاول أن تفعل كل شيء ليبقى صوت الحياة مسموعاً في جنبات البيت والمعتزل ومحطات الانتظار.

في الفيلم، الذي يعرض حال اليهود في بولندا زمن الغزو النازي فترة الحرب العالمية الثانية، يبدو الموقف من تلك المعاناة لمعظمنا مربكاً جداً، في ظل المواقف والقناعات والمسلمات حول هذه القضية التي لا يمكن تقييمها خارج قضية وتاريخ الصراع العربي الإسرائيلي، لكننا بالرغم من كل الصعوبات الذهنية التي علينا مواجهتها ونحن نشاهد فيلماً حساساً كهذا، فإن علينا في الوقت نفسه أن نناقش وننظر لوجهة النظر المغايرة وأن نناقشها بشكل علمي!

الفيلم الذي يعرض لمعاناة عازف بيانو يهودي وأسرته، أنتج في العام 2002، وهو فيلم فائق الاحترافية، ما يدفعنا لأن ننتبه لأمرين: أولاً، الوتر الإنساني الذي يعزف عليه صناع الفيلم طيلة مدة عرضه وبشكل بالغ الذكاء، ما يجعل المشاهد يتعاطف تلقائياً مع كل ما يرى بعيداً عن كل الانحيازات والمسلمات الأخرى المناقضة، وثانياً، الاحترافية الفائقة في كتابة وتصوير وإخراج الفيلم، وغيره من الأفلام التي تعرضت للقضية نفسها، ما تكفل باستقطاب التعاطف العالمي، وهو درس لم ننتبه له ولم نتعلمه بعد للأسف!

لنعد إلى ذلك المشهد في الفيلم، ففي أقسى الظروف وحتى ما قبل الذهاب لمعسكرات الموت، كانت الأم هي الوحيدة القادرة على أخذ المعاناة على حسابها الشخصي، وإبقاء نغمة الحياة عالية، ففي لحظات الحشرجة السابقة للموت، كانت الأم تصنع الحساء الفقير وتسكبه للجميع بهمة عالية مكررة لهم: لا أريد أخباراً سيئة هذا الصباح! في الوقت الذي كانت السلطات تجهز لهم قطارات الموت الأخيرة!

طباعة Email
تعليقات

تعليقات