الرواية متحف المدينة

سيقول النقاد إن الرواية متحف المدينة، تماماً كما قال يوماً الناقد المجري جورج لوكاش إن الرواية ابنة المدينة، فالرواية منذ أن كتب الإسباني ثربانتيس روايته المعروفة «دون كيشوت» بدايات القرن السابع عشر، وهي تعيش تألقاً لم يتراجع يوماً لصالح أي شكل سردي آخر، لقد بقيت الرواية سيدة المشهد مع تنامي تجليات الاحتفاء بها وإعلاء قيمتها وتأثيرها، بدءاً بنظريات نقد الرواية وانتهاءً بمهرجان الجوائز الممتدة على طول وعرض جغرافيا العالم.

لقد أسس الإسباني ثربانتيس شكلاً جديداً في السرد لم يعرف سابقاً يقوم على تقنية الحكي المتصل حول تفاصيل الواقع أو ما يعرف بسرد الواقع اليومي المعاش، وهو حين أسس لهذا النمط لم يكن يعلم شيئاً عن أهمية ما قام به، لكنه بعد ذلك بزمن تحول لعلامة فارقة تدل على نقلة نوعية في الذوق والوعي الأوروبين ومن ثم العالمي لاحقاً!

الذين يعتبرون أو لا يوافقون على مقولة لوكاتش، يعتبرون الرواية حالة وعي عند الكاتب يسرد أو يعكس فيها خبراته الحياتية أو تجاربه أو فهمه أو توجهاته بعيداً عن كونه يسكن قرية أو مدينة، بينما الأمر ليس بهذا التبسيط أو البساطة، فالقرية حالة إنسانية أقرب للبساطة أو الأفقية، حيث لا تغيرات ولا تعقيدات في الأحداث أو الإنسان أو العلاقات، وهو ما لا يساعد على توليد رواية، بينما المدينة فيها من البشر والعلاقات والجريمة والتنوع والتعقيدات وتناقضات الخير والشر ما يجعل التعبير عن كل ذلك ضرورياً وضاغطاً بأي شكل، وليس أفضل من الرواية لسرد كل هذا الطيف من التعقيدات والتناقضات.

اليوم لم تعد الرواية مجرد ابنة للمدينة، أظنها قد تجاوزت المدينة نفسها فيما يتعلق بكونها ابنتها أو متحدثة باسمها، صارت الرواية أكبر وأقوى تأثيراً وأثراً، لقد أصبحت حافظتها وسجلها ومتحفها، ففي آلاف الحكايات والقصص وعلى ألسنة الأبطال تستقر مئات من أسماء المدن والأحياء والأزقة، ربما لم يعد أكثرها على قيد الجغرافيا، اختفى، صار نسياً منسياً، لكنه محفوظ هناك في الروايات: كروايات نجيب محفوظ وحنا مينا وغيرهما، وكما سنحفظ الكثير من المدن التي تتهاوى اليوم كالموصل وحلب و... لكنها ستبقى طالما حفظها الكتاب الروائيون.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات