الذاكرة وسطوتها!

الذاكرة تشبه الصناديق القديمة، صناديق مصنوعة بإتقانٍ شديد وبألق، اجتهد صاحبها في أن يسكب فيها تفاصيل شخصيته، انتقاءاته، تفضيلاته، وأهواء قلبه، صناديق من ألوان وروائح وأسماء وأمكنة، أحياناً تصير حوانيت صغيرة ضيقة متصلة، أحدها يقود للآخر بطريقة غرائبية ولافتة في الوقت نفسه، وجرِّب أن تُغمض عينيك وتتذكر، تذكر ذلك الزقاق الضيق الذي مشيت فيه ذات مساء بارد في منطقة الحسين بالقاهرة، انحرف يميناً ستجد نفسك في شارع المعز، أبقِ عينيك مغمضتين وواصل المشي، ماذا تسمع؟ أصوات الأذان، روائح مختلطة، ضوضاء أبواق السيارات والدراجات، بائعي الفضيات يدعونك للدخول إلى متاجرهم بينما رائحة القهوة تعبق في المكان!

هذه هي صناديق الذاكرة، هكذا تنفتح بمجرد أن تلمسها رائحة مشابهة أو يلوح أمامك اسم مكان كنت قد قرأته في روايات نجيب محفوظ، ذلك هو سجلّ الذاكرة وسطوتها، وبصمة الأمكنة التي لا تجارى، واعتماداً على تلك السطوة انهمر إبداع العملاق نجيب محفوظ، ناهلاً من الأمكنة تفاصيل الناس والأسماء والروائح والأصوات، فتكونت رواية الحارة المصرية، وسجل الأزقة التي نحفظها، نحن الذين قرأنا أدب محفوظ اليوم أكثر مما تفعل وزارة السياحة أو هيئات الثقافة، كما حفظتها روايات محفوظ نفسه!

نمشي في الحسين، في الغورية، في خان الخليلي، في شارع المعز، نبحث عن زقاق المدقّ، وقصر الشوق والسكرية، عن الحارة والحرافيش والست أمينة والسيد عبد الجواد، لماذا هذا الحرص في البحث ورغبة الالتقاء بهذه الكائنات والموجودات؟! لماذا حالة النوستالجيا هذه أو الحنين للأمكنة القديمة، للبيوت والقصور والحارات؟! هل هو بحث عن واقع نظنه كان أفضل؟ هل هو إثبات لهوية نعتقد أنها تضيع أو تتسرب من بين أيدينا؟ هل هو سعي حثيث وراء معنى عميق وحميم يلتف الجميع حوله متناسين اختلافاتهم وخلافاتهم التي أتعبتهم وتعبوا منها؟ هل.. وهل.. ؟

هاجمتني عاصفة أسئلة وأنا ألج بيت السحيمي لأحضر لقاءً أدبياً ضمن فعاليات مهرجان القاهرة الأدبي في منطقة الحسين، وما هدأت العاصفة إلا حين صارت كلمات على الورق!

طباعة Email
تعليقات

تعليقات