الحياة لا تحتمل بلا أصدقاء!

يصدف في أحيان كثيرة أن تقابل أحد أصدقائك أو بعض أصدقائك القدامى، أولئك الذين لم تلتقِ بهم منذ زمن طويل جداً، زمن قارب على العشرين أو الخمسة والعشرين عاماً ربما، تتعارفون سريعاً وكأنكم توادعتم ليلة البارحة، تجلسون معاً، تدور فناجين القهوة، وتبدأ الثرثرة اللذيذة الحقيقية، تستعيدون الذكريات وتتفاجأون بالزمن الذي تسرب أسفل أيامكم دون أن تشعروا به، لكنكم تضحكون أكثر وتستمرون في استعادة الذكريات التي لا تنتهي!

وهناك أصدقاء حميمون، يعبرون قريباً من بعضهم البعض كل يوم ربما لكنهم لا يرفعون أصواتهم ليتحدثوا أو يسمعوا أصواتهم، يحرصون على إبقاء العلاقة لكنها تلك العلاقة التي تشبه إطار الصور الخشبية، مزخرفة وجميلة لكنها خشبية في نهاية الأمر، لا يقدرون على احتمال الثرثرة اللذيذة المتدفقة من قلوبهم، هذه الثرثرة تحتاج قلوباً خالية من الأوجاع أو من الأحقاد، خفيفة بلا صدمات وجراحات، وبرؤوس راغبة في أن تمتلئ مجدداً بالكلام، أما الذين تضخمت قلوبهم بأسوأ التجارب وأولئك الذين حفرت الفرقة طرقات في نفوسهم فلا يمكنهم أن يلتقوا بعد فراق دون أن يظهر الفراق جلياً في أحاديثهم وعيونهم!

الحياة ما عادت بالدفء الذي كان، وما عاد للكتب والمسرح والموسيقى وجلسات الأصدقاء ونقاشاتهم المحلقة مكان، ما عاد لفضاء الحرية تلك القداسة، وما عاد للبساطة تلك الأبهة والذكر الجميل.

فالفضائيات وسماجات المذيعين والمذيعات، وأعضاء لجان التحكيم في برامج اختراع النجوم، وغلاء الأسعار وأخبار الحروب والتفجيرات وقوائم الإرهاب وتغير الناس، وشراستهم في الحصول على كل شيء وضربهم عرض الحائط بكل شيء، كل ذلك صار كافياً ليفقد الإنسان نزاهته وبساطته وثقته بالأيام وناسها وأحياناً بصداقات العمر الذين يراهم كل يوم فما بالنا بالذين ما عاد يلقاهم!

تحتاج الحياة للحب وفضاءات الجمال وللحرية والأطفال والمثقفين، وتحتاج الشعر والأساطير وقصص البطولات، ولنجوم السماء والفن ولزيارة المدن الجميلة، والنظر للأشجار الحبلى بالثمر، لكن وجود الأصدقاء في حياتنا أحد أهم احتياجات الروح، وخاصة أولئك الراحلين في زمننا الذي كان، والمسافرين في أيامنا لهذا العمر الذي نحياه.

الأصدقاء كما الكتب أسياد الوقت وجمال الأمكنة، فلا أمكنة جميلة بلا أصدقاء حميمين.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات