تحت سماء القاهرة..

مضت سنتان على آخر زيارة لي للقاهرة، وها أنا أعود إليها، هذه المدينة المصنّعة من فسيفساء حضارية نادراً ما توجد أو تكون. المآذن والقصور، المزارات والقلاع، محمد علي والحسين، نجيب محفوظ ورمسيس الثاني، كليوباتره والسيدة زينب.. وحدها مصر جمعت كل أطياف الحضارة والميثولوجيا والسياسة والدين بسلام وأمان طيلة قرون وقرون دون حروب أهلية أو صراعات طائفية!

مصر التي يبتسم لك إنسانها في أحلك ظروفه ويساعدك بكل خفة روح وأريحية ابن البلد الجدع، مصر النيل العظيم والشمس الدافئة في عز الشتاء، البلاد التي أسست حضارة جمعت الدين وأساطير الخلود وآلهة الموت ومعابد التحنيط، قبل أن يعرف أي من البشر كل هذه المنظومة شديدة التغلغل في الذهنية المصرية والمعاصرة!

وأنا أتنقل في أرجاء المتحف المصري هالني التنوع والحجم المهول لمفردات الحضارة الفرعونية، هالتني دقة الصنعة والزخرفة وتوظيف الموارد المتاحة في إنتاج التماثيل والمجسمات والأدوات صغيرها وكبيرها، الزينة بكل بساطتها وفخامتها، الأثاث، المقابر والتوابيت، حضارة زاخرة بكل شيء بدءاً بخدم الفرعون وانتهاء بكهنته، أما الحضور الطاغي للثقافة الدينية بكل تجلياتها ورموزها فحدّث ولا حرج!

لم تكن هناك إلا أشياء نادرة لما له علاقة بالحياة الدنيوية، وكأن ما سيطر عليهم كان حياة ما بعد البعث أكثر من الحياة التي عاشوها برغم كل ما خلّفوه وراءهم!

لقد بُنيت الأهرامات الهائلة لتكون مقابر للملوك، وقامت حضارة وادي الملوك لتمجيد المعابد، أما أبو الهول فليس سوى رمز ديني يتكرر في كل العصور الفرعونية، الحضارة التي تفردت بأن صنعت لملوكها توابيت ومقابر أفخم وأعظم وأقوى مما بنته لهم من قصور، لذلك فليس غريباً ولا عجيباً هذا البعد الديني العميق في الشخصية المصرية، وهذا الإيمان بالدولة وسلطاتها، إن هذا المصري البسيط الذي يعبر شوارع القاهرة لا ينوء كاهله بأعباء حياة قاهرة، بل أيضاً بعبء من التاريخ لا يحمله إلا إنسان عظيم.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات