اختراع البهجة!

في منزل إحدى الجارات تنعقد لقاءات دائمة، صرت أرقبها وأترقبها، بعد أن بدت لي سلوكاً جميلاً يستحق التأمل، فمنذ الصباح الباكر تتوافد النسوة أولاً، ثم يأتي بعض الشباب والشابات الذين تربطهم ببعضهم علاقات عائلية وعلاقات جوار تعود لأيام بعيدة.

أشعر دائماً حين ألتقي هذه المجموعة من النساء بأنهن يصنعن بهجتهن، يصنعنها ليقاومن الصمت والكآبة، بالضحك وبالتجمعات وباختراع المناسبات إذا لزم الأمر، بصباحات القهوة، وجلسات الهواء الطلق في مساءات الشتاء الطويلة، أو في نهارات الخريف، فتصبح هذه اللقاءات طقساً له حميميته وقدسيته وأسراره وذكرياته وأطباقه وحكاياته، إننا نحتاج جميعاً إلى هذا النوع من اللقاءات لمقاومة ضغوط حياة اليوم!

يقول أحد المعالجين النفسيين، لقد تفاقمت آثار الحياة السريعة وضغوط العمل والانكسارات العاطفية والفشل والازدحام والخسائر المالية والمعنوية على أجساد ونفسيات الناس الذين إما أن يتجاهلوها فلا يلقوا لها بالاً وهذا خطأ كبير، وإما أن يستسلموا لوطأتها ومعاناتها دون أن يفتشوا في كيفية الخروج منها وهذا خطأ أكبر!

لقد بدأ الكثير من الناس يشكون من التعب والوهن وتعكر المزاج لأتفه الأسباب، والضيق والدخول في الصمت وعدم الرغبة في الحديث مع الآخرين أحياناً، وحتى داخل بيوتنا نبدو أكثر ميلاً للصمت وعدم التحدث مع بعضنا بعضاً، هذه ليست حالات طبيعية أبداً، إنها حالات مرضية بامتياز وتحتاج إلى علاج ومقاومة، والعلاج ليس صعباً، لكن التعالي على الحالة يجعل علاجها صعباً في ما بعد!

شكا أحدهم لمقدم أحد البرامج من أن زوجته غالباً ما تشكو من الضيق وتطالبه بالخروج معها أو بأخذها لبيت أهلها، لأنها تقضي النهار بطوله وحيدة وسط صراخ الأولاد وطلبات البيت ولا يوجد من تتواصل معه، هو يعتقد أن زوجته متبرمة ومتطلبة، مقارنة بجيل أمه وجدته الذي عاش ظروفاً أصعب دون أن يشتكي أو يتذمر، قلت له وما أدراك أن أمك وجدّتك لم تتذمرا؟

إن أمك وجدتك كانتا تعيشان وسط ظروف أقل تعقيداً ومع مجموعة كبيرة تحصنهما من آفات الضيق والكآبة، كانت البيوت ضاجة بالداخلين والخارجين، الكبار والصغار، وبالعمل المضني الذي لا يترك لهن متسعاً لترف الشكوى.

قلت له إن زوجتك على حق، وهي لا تتبرم أنها تعاني على طريقة أهل هذا الزمان.

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات