الأبواب..أول الشغف

رغم كل محاولاتي ليلة البارحة إلا أن النوم كان عصيّاً تماماً، فاستعنت برواية كنت قد قرأتها منذ مدة وتركت في نفسي أثراً لم أستطع تبيّن أسبابه وقتها، فتحت تلك الأجزاء التي استوقفتني من الرواية ثانية، وغرقت فيها متناسية النوم تماماً، وما إن تسلل نور الفجر عبر نافذة الغرفة حتى انتبهت، فتركت الرواية جانباً، وذهبت أستطلع ذلك الأمر الذي رسب في داخلي منها.

تلك كانت رواية «الباب» للمجرية ماجدا سابو، وكنت قد كتبت عنها مقالاً سابقاً، لكنني هذه المرة توقفت عند العنوان، لا عند بطلة الرواية، ولا أمام التفاصيل، فالباب هو ما أثّر فيّ بالفعل، وهو الجزء الأكثر حفراً في داخلي كلما مررت بأي باب في هذه الحياة، هل عددتم كم باباً تلجون عبره، وكم واحداً تخرجون منه، كلما دخلتم؟ هل توقفتم عند فكرة الباب.. ولماذا يبالغ البعض في تضخيم بوابات بيوتهم يا ترى؟

سحبني نور الصباح، وبرودة الجو وهدوء المنطقة التي أسكنها، غادرت غرفتي بهدوء متدثرة بمعطف سميك فقد هبطت درجة الحرارة حتى لامست الـ 4 درجات، خرجت من الفندق ومشيت في طرقات تكاد تخلو من المارة، إلا من شاب يمارس رياضة الجري أو موظفين، يحثّون الخطى صوب أعمالهم.

صرت أدقّق في الأبواب التي أمرّ بها: أبواب البيوت القديمة، باب الكنيسة الخشبي الضخم الذي قيل لي إنه يعود إلى500 عام مضت، أبواب من الخشب وأخرى من الحديد، بعضها مزيّن بمسامير ضخمة وبعضها بنقوش جميلة، وكنت أتسمّر أمام بعضها مستعيدة ذلك التشابه الغريب بينها وبين تلك التي شاهدتها في طفولتي، وتلك التي مررت بها في مدينة جبيل اللبنانية، أو في مدينة فلورنسا الإيطالية، أو في شارع المعز بالقاهرة.

تذكرت أمي وأنا طفلة، تركض لتستطلع سبب بكائي أمام باب الفناء الخارجي لمنزلنا أريد الخروج، لكنني أقف متسمّرة وخائفة من شيء ما أظنه حشرة أو شيئاً سيؤذيني حتى تأتي أمي فتحمله وترميه بعيداً، ولحظتها أطمئن وأخرج.

ظلت الأبواب مصنوعة من الخشب لفترات طويلة، قبل أن تدخل مواد أخرى في صناعتها، كما بقيت العناية لها قائمة على الدوام، حفرها ونحتها وتزيينها وطلاؤها والتفاخر بأنها من أفضل أنواع الأخشاب المستوردة من غابات الهند أو باكستان أو بورما، ولا تزال الأبواب زينة البيوت، وسترها، وقفل أسرارها وأمانها، وأول علاقتنا كأطفال بالخارج، وأول شغفنا بالتمرّد على أوامر الأهل، وأول رفضنا للسجن وشغفنا بالمعرفة والانطلاق بعيداً، وأول صدامنا مع المختلف، وأول احتمالنا لغير ما ألفناه داخل الأسوار الآمنة، لذلك فإننا حين نكبر لا نفكر إلا في اجتيازه.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات