من أين تأتي مقدرة التوازن!

تُعتَبر القسوة ميزة هذا الزمان الصعب، لأن ظروف الحياة قاسية، العلاقات بينك وبين الآخرين معقدة، الثبات في جذر إنسانيتك ليس سهلاً، وهناك سلسلة لا تنتهي من القيم التي ظلت على الدوام الشرط الأول الدال على إنسانيتنا، كالوفاء والصداقة والأمانة والرأفة والنخوة وقيم الرجولة و... إلخ، هذه كلها أصيبت باختلال التقييم، ما يجعلنا نستحضر قول الشاعر الراحل ممدوح عدوان: «لنا طوبى ولكم طوبى، ولمن أتقن أن يتوازن في المشي وكان العالم مقلوبا».

هناك ما يشبه انقلاب البشر ضد إنسانيتهم، ضد قيمهم التي تستدعي شرطهم البشري، صاروا يفكرون بشكل مقلوب تماماً، لا تدري من أقنعهم بذلك، لكنهم أصبحوا هكذا، يرون الطيب مغفلاً، والبسيط غبياً، والكريم غير منطقي، والقاسي حكيماً و...، صحيح أن منظومة القيم الكبرى لم تضمحل بالكامل أو تتلاشى، على اعتبار أنه «لو خليت خربت»، لكنها صارت من «المباهج» النادرة، نعم مباهج؟ فأنت تبتهج للجمال، وهذه القيم تعتبر قمة الجمال، لكنها للأسف صارت كقطع فنية نادرة!

أحياناً أدهش من بعض السلوكيات الإنسانية التي لا منطق لها أساساً، لكنني أعود وأتذكر أن الإنسان كائن محكوم بالضعف وضغوطات الظروف واحتكامات البيئة المحيطة به، وأنه مهما حاول ادعاء ما ليس من قناعاته، إلا أنه يعود في نهاية اليوم، ليكون ابن بيئته وابن قبيلته وابن مذهبه، ولهذا أجد كثيرين يحاولون أن يتخلصوا من تفاهات كثيرة تتحكم في حياتهم، إلا أنهم لا يدّعون العجز، لأن للجماعة كما يقولون تأثيرها الملزم والضاغط عليهم.

إنك إذ تعلن حياديتك أو استخدام عقلك في مواجهة تفاهات مختلفة تفرضها عليك الجماعة، وتواجَه بالنبذ والعزل ومختلف العقوبات، عليك أن تعي أن هذه السلوكيات قادمة من إرادة الفرد، لا من إرادة النوع (بمعني أنك أنت من تختار سلوكك وأخلاقياتك، لا نوعك الذي يحتمه عليك، فأنت لست حيواناً مفترساً لتفترس غيرك بدافع البقاء مثلاً).

التناقض أمر صادم، حينما تجده في سلوك بعض من تعتقد بأنه عقلاني ومثقف، وخيانة الصداقة سلوك مستهجن فيمن تظن أنك قد غرستَ في قلبه شجرة معروف وإحسان وارفة، والأنانية خلق مقيت فيمن صدّقت أنه في وقت الحاجة سيهبك ما تريد من دون طلب، لأنك أنقذت حياته ذات يوم من دون أن يطلب، لكن الحياة معلِّم قاسٍ جداً، لا يمنحك درساً من دون مقابل، ما عليك سوى أن تتأمل كيف يسير الناس بالمقلوب، وضد إنسانيتهم، بإصرار غبي!

تعليقات

تعليقات