حين يسافر قلبك أولاً!

في صيف مضى، قادتني الصدفة وحدها للتوقف أمام اسم تلك المدينة، الاسم وحده دفعني لأن أذهب عميقاً في البحث، حتى تكونت لديَّ ذخيرة لا بأس بها من المعلومات قادتني للسفر إليها سريعاً كأنني أنتعل أحذية من ريح، أو كأن الريح تحتي! كانت تلك مدينة «هايدلبيرغ» الغافية دهوراً ما بين أنهار وجسور وقلاع، أما ما زاد المغامرة عمقاً فكان قرار السكن الذي لم ينل إعجاب رفاق الرحلة، لقد قررت السكن في قصر قديم جداً يعود تاريخ بنائه لعام 1592، كانت جدرانه مغطاة بالخشب في معظمها، كما كانت تماثيل الجنود الحديدية تنتشر في أرجاء المكان، أما إذا ارتقيت آخر درجات القصر صعوداً لسطحه فستطل على أحد أجمل مناظر المدينة التي قد تقع عيناك عليها، خاصة إذا كان الوقت فجراً أو في لحظات الغروب!

يطل القصر من جهة واجهته الأمامية مباشرة على كنيسة المدينة الأقدم المسماة «كنيسة الروح القدس» التي يعود تاريخها للقرن الثالث عشر، وهما (القصر والكنيسة) المبنيان الوحيدان اللذان نجَوَا من حريق ضخم التهم المدينة في تلك القرون الغابرة، وقد ظل ذلك القصر يرمم باستمرار بعد أن توارثته أجيال مختلفة، وها هو اليوم يحتفظ بطرازه المعماري العائد للقرن السادس عشر وبكل التفاصيل الداخلية للقصر، بعد أن تحوَّل إلى فندق تديره عائلة بطريقة تشعرك بالدفء حقاً، يخلو الفندق من بذخ وأبهة فنادق الدرجة الأولى، فلا زجاج صقيلاً ولا رخام إيطالياً لامعاً، ولا أسرَّة فخمة، ولكن روح التاريخ تمنح الحجرات والممرات وبوابة الفندق وسطوحه القرميدية ونوافذه الصغيرة الضيقة وستائر الدانتيلا وقعاً غامضاً يحلِّق بك إلى عصور غائرة في الزمن!

البهو وقاعة الإفطار يمتلئان بصور مرسومة بيد فناني تلك الحقبة الزمنية لأفراد العائلة التي شيَّدت القصر وامتلكته لفترات من الزمن، تتأمل وجوههم وتفاصيل ملابسهم، مجوهراتهم والنياشين التي تزين صدورهم فيصيبك شجن حقيقي بعدمية هذه الحياة وبسطوة القدر الذي يسحب الناس إلى ثقوب مجهولة فيختفون تماماً كأن حياة لم تكن، وعمراً لم يعبق، وشباباً وتاريخاً وحكايات نجاح وعشق وصراعات وانتصارات لم تكن! إنها السيرورة القدرية الماضية في الخلق بلا تغيير حتى يشاء الله!

كان قضاء يومين هناك كفيلاً بلحظات تأمُّل عميقة، باستحضار فكرة التاريخ والسيرورة والقدر والغياب، أما إذا خرجت إلى الشارع وجدت أهالي المدينة لطيفين جداً لأنهم اعتادوا استضافة ملايين الناس من كل الثقافات طيلة العام، إنهم من أكثر الأوروبيين ترحاباً فقد تخلَّصوا من غلظة الألمان وبرودة الأوروبيين ولهذا السبب تمتلك هايدلبيرغ روحها الخفيفة التي تقبض عليك منذ النظرة الأولى!

تعليقات

تعليقات