الثرثرة فن إسعاد القارئ!

كتب أحدهم أن رباعية نابولي المعروفة بـ«صديقتي المذهلة» للكاتبة الإيطالية إلينا فيرّانتي، وهي بالفعل رواية ضخمة، تتألف من أكثر من 2200 صفحة في مجموع أجزائها الأربعة، حظيت بتقدير كبار النقاد وصحف المراجعات الأدبية «إنها رواية شيقة فعلاً لكنها محشوة بتفاصيل التفاصيل، وبالكثير من الثرثرة تماماً كما أنك جلست إلى امرأة إيطالية طاعنة في السن، راحت تحكي لك ذكرياتها في 500 صفحة، ثم التقطت أنفاسها وطلبت منك أن تحضر في الغد لتكمل لك الثرثرة في 600 صفحة أخرى...».

عادة ما ينتج اختلاف الأذواق أحكاماً متباينة ومتضادة، وهو أمر مشروع، تكفله حرية الرأي والاختيار، لكن السؤال يحضر حين يكون هناك حكم على التفاصيل، وتحديداً على تفصيلة الثرثرة: فما الرواية سوى فن سرد التفاصيل بطريقة شيقة؟ تجعل القارئ يفتقدها سريعاً ويقبل عليها ويتعلق بها، القارئ كائن متلصص من طراز رفيع ليس أكثر، ولذلك يقرأ الروايات!

الرواية فن تتبع وسرد تفاصيل التفاصيل، لكل ما يخص حيوات الأبطال الذين نرسمهم ونرفع بهم عالماً متخيلاً، نخلقه ككتاب ونحركه ونتحكم فيه بالمزيد من التفاصيل والثرثرة، لا نتحدث عن التفاصيل التافهة ولا الثرثرة السطحية حتماً، لكن التفاهة والسطحية والتلصص هي جزء من الحياة حولنا، وما الرواية سوى عالم متخيل مستقى من الحياة لا أكثر، إن سرد التفاصيل بطريقة الثرثرة ليس عيباً، فنحن أمام رواية ولسنا أمام كتاب فلسفة!

في رواية «الباب» للمجرية ماجدة سابو، المزيد من الثرثرة، وحكي لا متناهي حول تفاصيل التفاصيل لعلاقة غريبة جداً، ربما لم تتناولها الأعمال الروائية العربية مطلقاً، إنها العلاقة بين الكاتبة المشهورة ربة البيت والخادمة غريبة الأطوار، قوية الشخصية، شديدة الحضور التي ستعمل في منزل الكاتبة لأكثر من عشرين عاماً، أما الثرثرة فستطال تفاصيل شخصية الخادمة، هذه الشخصية التي ستسيطر على حياة الكاتبة «كسلطة حقيقية» كما في بيوت أغلبنا، لكن دون أن نفكر في معرفة أية تفاصيل حولها، أو نلتفت لحياتها وماضيها وأسرارها! ماجدة سابو تفعل ذلك!

ماجدة سابو تفعل ما هو أكثر، فتجعل الكاتبة الشهيرة المثقفة، تحترم وتخاف وتحب الخادمة التي وجدت فيها ذاتها التي كانت تبحث عنها، ولم تجدها بل ربما لم تستطع أن تمتلكها يوماً: أن تكون متواضعة ومتفهمة وقادرة على التواصل والإحساس بالآخرين، وأن تدرك أن الآخر مثلنا له روح إنسانية، وشخصية عميقة تفهم الحياة بشكل لم يخطر لنا على بال، كما هي الخادمة!

تعليقات

تعليقات