حكاية آلة موسيقية

إليكم هذه القصة أولاً:

كانت السيدة روفين تعبر ضائقة مالية حين اكتشفت تعلق ابنها بآلة الترومبيت، ومع ذلك أصرت على أن توفرها له، اتجهت إلى متجر بيع الآلات الموسيقية، حيث اتفقت مع صاحبه على تأجير الآلة لابنها، لأنها عاجزة عن شرائها، كان جاك حينها في الثانية عشرة، ومنذ تلك اللحظة واظب الصبي على العزف بها خلال سنوات المدرسة، ولا يزال حتى بعد تخرجه وهو اليوم في الحادية والعشرين من عمره!

ذات صباح حدث أن فتح جاك درجاً مهجوراً ليعثر على رسالة قديمة، قرأها فطفرت الدموع من عينيه، كانت الرسالة من صاحب المتجر يخبر فيها والدته أنه قرر أن يسامحها في تسديد تكاليف أجرة الآلة، بل ويخبرها أنه يهب الآلة لابنها من دون مقابل، إلا في حال توقف عن العزف فإن بإمكانه إعادتها للمتجر، فربما استفاد منها طلاب آخرون أكثر استحقاقاً، مذكراً إياها بأن الأوقات الصعبة لا تدوم، لكنها تجعلنا أكثر تلمّساً لاحتياجات الآخرين!

لقد تركت الرسالة أثراً عميقاً في نفس جاك، ونبهته إلى ما لم يكن بإمكانه وهو طفل أن ينتبه له: كيف سارعت والدته لتوفير آلة باهظة الكلفة رغم الضائقة المالية، ولماذا كانت هذه المبادرة شديدة اللطف من طرف صاحب المتجر؟ ففي الحياة جوانب لا يكون المال فقط بطلها الحقيقي، وحدها المصادفة كشفت له الجزء الأعظم في الحكاية، والمصادفة غالباً ما تلعب معنا لعبة غريبة حين تكشف لنا الجزء الخفي في الحكايات التي مرت بنا من دون أن نفهم يومها كيف حصل ما حصل؟

نحن غالباً لا نتوقف عند بعض التفاصيل التي تشكل للآخرين الشيء الكثير، مواقف غير محتملة، صدمات أو انكسارات ساحقة لهم، بينما نعبرها نحن بخفة أو باستخفاف، نبررها بسهولة، لأننا لم نر ما يتوجب أن نتوقف عنده، هذا كل ما في الأمر! بماذا كنا منشغلين لحظتها؟ بأنفسنا حتماً، كنا نعلي شأن احتياجاتنا ورغباتنا، نتفرس ملياً في شجرة أنانيتنا، متناسين هذه الغابة المترامية من المآزق والاحتياجات التي تعصف بالآخرين!

ربما كان جاك صغيراً، لكنه حتى حين بلغ العشرين من عمره لم يسأل كيف دبرت له والدته أمر الآلة، لولا تلك الرسالة التي عثر عليها عن طريق المصادفة، نحن جميعاً ومن دون استثناء حصلنا بشكل أو بآخر على أهم مطالبنا لأن آخرين تحاملوا على وجع قلوبهم، فسلام على كل أولئك الذين رأوا جدار القلب يريد أن ينقض فأقاموه ولم يتخذوا عليه أجراً، رغم أن كل جدرانهم تكاد تتداعى وهم يكابرون لأجلنا!

تعليقات

تعليقات