إذا غابت الفكرة بزغ الصنم

في طريقي وأنا أعبر أزقة روما لليوم الثالث، مخلفة ورائي واحداً من أجمل القصور التي تعود لعائلة أمراء عاشت على امتداد القرون من السادس عشر وحتى الثامن عشر، والذي تحول قصرها اليوم إلى متحف يروي قصة أخرى من قصص المجد الغابر والعظمة الرومانية التي كانت، يقع متحف (بلازو دوريا بامفيلي) في وسط شارع تجاري يعج بالمتاجر الضخمة، فإذا لم تكن تعرفه وجئته قاصداً فربما تمر عليه مرور الكرام دون أن تلفت نظرك تلك اللوحة الضخمة التي تحمل اسمه.

في الداخل تعبّر الحضارة الرفيعة عن نفسها في كل التفاصيل، في اللوحات الضخمة المرسومة بيد كبار رسامي تلك الفترة، وفي موضوعات اللوحات التي لم تخرج عن الميثولوجيا الدينية والطبيعة والجمال، أما التماثيل فحدث ولا حرج، الجدران مكسوة بالحرير الطبيعي الباذخ والستائر لا يمكنك أن ترى أجمل منها، يلمع رخام الممرات البيضاء بطريقة تستوقفك، بينما لا تسمع وقع خطوات حذائك وأنت تتأمل الثريات الفخمة في غرفة الرقص ذات الأرضية الخشبية، وتظل تسير متنقلاً من غرفة إلى أخرى، ممتلئاً بالدهشة ومتفكراً في السؤال البديهي: أي عظمة هذه؟ كيف تمكنوا من كل هذا في تلك القرون البعيدة، بينما يعجز الخلف اليوم عن إنجاز أقل القليل مما أنجزه أسلافهم، هي طبيعة عصر وزمن نعم، لكنها تستوقفك وتولد عشرات الأسئلة!

تركت عالماً زاخراً بالدهشة المحيرة، دهشة الإتقان، التفاصيل الدقيقة، براعة الرسم والتصوير، اللوحات الجدارية الضخمة، الفن والموسيقى والملابس، والمقتنيات والصور الشخصية والأسقف المنقوشة بإعجاز مبهر، وقبل أن أخرج وقفت أمام صورة ضخمة لصاحب القصر وتمثال نصفي من الرخام للشخص نفسه داخل غرفة متناهية الصغر ومسورة بالحديد كي لا تصل الأيدي للصورة، تذكرت أن هذا الشخص كان محاطاً بأسوار عزلته في تلك القرون، وظل قابعاً في العزلة ذاتها حتى وهو مجرد صورة أو مجرد تمثال من المرمر.

تركت ذلك العالم الباذخ المتواري خلف الجدران الشاهقة، وخرجت للهواء الطلق، كانت الجدران من الخارج تبدو سوداء من شدة التلوث بينما عشب قديم قد نما بشكل عشوائي بين مفاصل الصخر في كل مكان، مشهد يأخذك إلى فكرة حتمية التغيير والتحولات الكبرى عبر سيرورة الزمن!

لقد تحول الذين كانوا عظماء إلى مجرد تماثيل، أصنام للفرجة لا أكثر، فحين تختفي فكرة الحضارة العظيمة يبزغ الصنم كبديل باهت، وللصنم معان وتجليات لا تعد ولا تحصى!

 

تعليقات

تعليقات